حزب النور ومقترحات التعديل الدستوري
جمال متولي • قضايا معاصرة
مصطلح يعبِّر عن اتخاذ السلطة التدبير أو الإجراء الذي يضمن التمثيل النيابي للفئات المهمشة أو الأقليات لفترةٍ او لمرحلةٍ مؤقتة، وهو ما يسمَّى بالتمييز الإيجابي لهذه الفئات.
ولقد أُطلِق لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية على سياسة تعويض الجماعات المحرومة (الأقلية السوداء) في ستينيات القرن الماضي، بأن ألزمت السلطات حينذاك المؤسسات التعليمية بتخصيص نسبة معينة للأقليات السوداء -والتي كانت محرومة ومضطهدة حينذاك-، ثم انسحب هذا الإجراء بعد ذلك إلى التمييز السياسي بهدف إيصال المرأة إلى مراكز التشريع أيضًا كإجراءٍ مؤقت ومرحلي.
بدأ العمل بنظام الكوتة النسائية في مصر عام 79 وظل حتى عام 1986، حيث حكمت المحكمة الدستورية ببطلانه لإخلاله بمبدأ المساواة، ثم عاد مرة أخرى بمقتضى القانون 149 لسنة 2009، وتم النص على أن يكون النظام مؤقتًا، وحدد القانون له فصلين تشريعين فقط.
وهكذا نجد نظام الكوتة في سائر مراحله نظامًا مؤقتًا ومرحليًّا؛ حتى عند نشأته في أصل مصدره.
وهذه المرحلية التي تعني تنبيه المواطن لمدة مؤقتة يظهر له فيها أداء وقدرات الفئات المهمشة أو المحرومة لسببٍ أو آخر في تمثيله، ثم بعد ذلك تٌدمج هذه الفئات في العملية الانتخابية كسائر المواطنين المرشحين، ويقيم الناخب بعدها مثل هذا الأداء حتى يصل إلى الاختيار الحُر المباشر بين كافة المرشحين أمامه دون تمييز يٌفرض عليه ويلزمه باختيارٍ رغمًا عنه.
اما أن تهل علينا مقترحات تعديل الدستور بفرض كوتات على المواطن المصري ثبت عمليًّا أنها كانت عبئًا عليه على مرِّ التاريخ السياسي، ولم تكن يومًا إضافة ذات قيمة له؛ اللهم إلا في استثناءات معدودة ليس إلا.
وحتى نكون أكثر صراحة:
يَشهد التاريخُ السياسي عمومًا "والبرلماني خصوصًا" أن نظامَ الكوتة لأي فئةٍ، ما كان يومًا يصب في صالح تمثيل المواطن تمثيلًا نيابيًّا جادًّا؛ إذ إن كوتة الـ 50% عمال وفلاحين على سبيل المثال، متي كان لها فائدة حقيقية وجادة في البرلمان؛ اللهم إلا في مرحلة الستينيات ليس إلا، وذلك بعد أن كان لا يصل إلى البرلمان إلا الإقطاعيين أو أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، ولم يكن ممكنًا لعامل أو فلاح الوصول للبرلمان بالرغم مِن أنهم القاعدة العريضة في المجتمع!
من هنا كان فعلًا لابد مِن النص على وجوب حجز حصة للعمال والفلاحين، ولكن بعد فترة الستينيات، بل وفي منتصف السبعينيات تغيير الحال تمامًا، وبدأ يستغل هذا النص ويستفيد منه أيضًا غير العمال والفلاحين، حتى بتنا نرى طوال العقود الماضية أن غالب العمال والفلاحين في البرلمان المصري لا يمتون لهذه الصفة بصلة على الإطلاق، وأصبحت الحصة المحجوزة للعمال والفلاحين يستغلها أساتذة جامعات وأصحاب المناصب الإدارية العليا والمرموقة!
حتى بٌح صوت الخبراء والوطنيين -بما يشبه الإجماع- بضرورة إلغاء هذه الحصة، حتى استجابت لذلك لجنة الخمسين فنصت عليها في دستور 2014م لفصلٍ تشريعيٍ واحدٍ.
فما هو الجديد الذي طرأ حتى يخرج علينا مَن يريد استرجاع ديمومة هذه الحصة مرة أخرى؟! اللهم إلا إن أراد بذلك نفس الاستغلال السيئ لهذا التمييز.
ونفس الشيء يُقال عن الكوتة النسائية، فمنذ نشأتها والنص عليها في سبعينيات القرن الماضي حتى آخر مظاهرها ما كان في برلمان 2010 الذي جاءت كوته فيه بـ 64 امرأة كلهن كُن مِن أعضاء الحزب الوطني أو الموالين له تمام المولاة!
ولم نرَ ممَن نجحن في الكوتة مَن قامت بالدور الرقابي الأمثل على مرِّ تاريخ تلك الحصة في مصر، فلم نجد منهن استجوابًا -مثلًا- ضد الحكومات المتعاقبة بعد كارثة أو حادثة فساد واحدة!
وما كُن إلا صوتًا لإرادة الحكم السياسية وليس صوتًا للناخب أو الناخبة بحال!
ثم نعود لحقيقة الموقف: وهو ما ذكرناه في بداية حديثنا مِن أن الأنظمة السياسية المتعاقبة تصنع الكوتات لمرحلة يتم بعدها الدمج السياسي الطبيعي فيما بعد للفئات المقصودة، بعد اطلاع الموطن على وجودها ووقوفه على جودة أدائها، لا مِن أجل ديمومتها واستمراها بما يخل بمبدأ المساواة.
وأن الرغبة في استمرار هذا الوضع الاستثنائي لا يعني سوى احتمالين اثنين لا ثالث لهما:
الأول: الفشل الذريع لهذه الفئات في القيام بمهمتها التشريعية ودورها الرقابي، مما لا يمكنها إقناع المواطن بجدارة تمثيلها، ومما لا شك فيه أن الفشل محسوب على النظام السياسي الذي لم يفلح في تجويد أداء هذه الفئات.
والثاني: أن يكون الهدف من ديمومة هذه الكوتات هو حجز أصوات مؤيدة للإرادة والسياسة الحكومية بشكلٍ مطلقٍ.
وهذا ما يجعلنا في حزب النور نرفض النص على ديمومة واستمرار هذه الكوتات برمتها، وليس رفض نوعٍ محددٍ منها.