شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حزب النور ومقترحات التعديل الدستوري

جمال متولي • قضايا معاصرة

والخطورة في حشر مدنية الدولة في هذه المقترحات هو ما وجدناه مِن ممارسة عملية واقعية في استغلال هذه الكلمة بالاعتداء المباشر والسافر على شريعة الله -سبحانه وتعالى- في تونس، وتونس دولة عربية مسلمة تنص المادة الأولى في دستورها على أن: "تونس دولة حرة مستقلة، وذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها... ".

وتنص مادتها الثانية على أن: "تونس دولة ذات طبيعة مدنية... ".

ونتذكر أن السيد/ سمير ديلوا -وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في تونس في الحكومة التي تلت إقرار هذا الدستور قال نصًّا يومئذٍ في حواره مع إذاعة "بي بي سي" لندن بتاريخ 29-1 -2014م: "النص على أن تونس دولة مدنية باعتبارها مرجعية مشتركة لا يجعل مِن تونس بلدًا علمانيًّا".

وكلنا يعلم أن تونس اليوم قد تجرأت واعتدت على شريعة الإسلام في المواريث وحرَّفتها وغيرتها وبدلتها باسم مدنية الدولة المنصوص عليها دستوريًّا لديهم.

والرئيس التونسي "السبسي" حينما خرج ليسوِّغ هذا الاعتداء على حدود الله -تعالى- المقدسة، قال نصًّا: "نحن مرجعيتنا ليست القرآن أو الدين، ولكن الدستور التونسي الذي ينص على أن تونس دولة مدنية!".

اي ان المدنية عند "السبسي" وعند برلمان تونس تعني العلمانية في أفج وأقبح صورها، والتي تعني تصادمها وتقاطعها مع الدين وثوابت الأمة!

فهل نضع رؤوسنا وعقولنا في الرمال، ونصدق أن المدنية لا تعني العلمانية، ولا تعني فصل الدين عن الأمة؟!

وهل ننتظر في مصر أن يخرج علينا مَن يستغل مثل هذه الكلمة اللقيطة؛ ليميع ويضيع هوية المصريين ويعتدي بها على ثوابتهم، ويُفرغ الدستور من مضمونه ليجعله متعارضًا متصادماً بين مواده؛ مما ينذر بحالة شديدة الخطورة إذا ما كان ذلك لا سمح الله؟!

وللقاضي -أي قاض- بشكلٍ خاصٍّ، والمحاكم القضائية بشكلٍ عامٍّ وظيفة وغاية، أما الوظيفة فهي تطبيق القانون، وأما غاية هذه الوظيفة فهي تحقيق العدل؛ هذا بإيجاز شديد وبشكل مباشر ما يدعونا أن ندخل في الموضوع مباشرة، ومِن دون أي مقدمات فنقول: مِن أجل تحقيق هذه الغاية بشكل سليم وجاد لابد للقاضي مِن أمرين لا يمكن أن يتحقق العدل مِن دونهما وهما: "الاستقلال والحصانة".

ومِن المستحيل تصور تحقيق العدل بين المتخاصمين -اي متخاصمين- سواء كانت الخصومة بين المواطنين وبعضهم أو بين المواطنين وجهات الإدارة المختلفة في البلاد؛ إلا بتحقيق الاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية، وهذا الاستقلال الذي يضمن للقاضي أن ينطق بالعدل والحق لصاحبه دون تخوف مِن أن يتأثر شخصيًّا أو وظيفيًّا بما حكم به.

والدساتير في الدول المحترمة تضع الاستقلال الكامل للقضاء مواضع الاهتمام والعناية القصوى باعتبار أن هذا الاستقلال ليس لصالح القاضي في حقيقته، بل لصالح المواطن وحقه في التقاضي مِن الدرجة الأولى.

ثم إن مِن سمات صحة المجتمعات والحكم الرشيد فيها هو الفصل الكامل غير المنقوص بين سلطات الدولة الثلاث: "التنفيذية والتشريعية والقضائية"، وضمان عدم تدخل سلطة مِن هذه السلطات في أعمال الأخرى، وبصفة أخص سلطتي التشريع والقضاء لابد من حمايتهما وصونهما، بل وتحصينهما مِن أي تغول من السلطة التنفيذية على أيٍ منهما.

لذلك فإن الصورة التي نراها على المحاكم هي تعبير دقيق عن تحقيق ضمانة مبدئي العـــدل والمســـاواة بين المتنازعين، وهي صورة سيدة معصوبة العينين، والتي تعني أن العدالة لا تنظر ولا تعرف أشخاص المتنازعين، وأنهم أمامها على قدمٍ سواءٍ.

وبالنظر في التعديلات الأخيرة المقترحة نجدها تنسف مبدأ هذا الاستقلال بأبشع صوره؛ إذ كيف نضمن استقلالًا حقيقيًّا للقضاء مع وجود مجلس القضاء الأعلى برئاسة رئيس السلطة التنفيذية نفسه؟! (وبغض النظر عن شخص هذا الرئيس وسلوكه أو إدارته كما في اقتراح تعديل المادة 185 بإنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية برئاسة رئيس الجمهورية)؛ إذ إن هذه الوضعية مِن حيث المبدأ تشي بإمكانية التدخل إذا ما اقتضي الأمر في شئون القضاء وضرب استقلاله في مقتل!

فمثل هذا التعديل لا يمكن معه اليقين في حِس المواطن أنه إذا ما احتاج للإنصاف مِن ظلمٍ وقع عليه من جهة الإدارة أن يضمن أن القاضي الذي يرأسه في الأساس رئيس الجهاز التنفيذي والإداري للدولة، أنه سينصفه منها.

فضلًا عن التعديلات المقترحة الأخرى المذكورة في المادة (189)، التي تستهدف في الفقرة الثانية: اختيار النائب العام مِن بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، ويصدر بالاختيار قرار مِن رئيس الجمهورية.

والمادة (193) "فقرة ثالثة": التي جعلت اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا وتعيينه بيد رئيس الجمهورية أيضًا، وإن كان الاقتراح يقول إنه من بين أقدم خمسة نواب رئيس المحكمة.

وكذلك إحداث منصب نائب رئيس المحكمة مِن بين اثنين: أحدهم ترشحه الجمعية العامة للمحكمة، ويرشح الآخر رئيس المحكمة، ويصدر قرار التعين مِن رئيس الجمهورية.

فإن مثل هذه التعديلات لو تمت -كما هو مقترح- فإننا بذلك نطعن المواطن المصري في أخص حقوقه مِن ناحية، ومِن ناحية أخرى: نحن نرى أن الدولة جادة فعلًا في مكافحة الفساد وضربه في جذوره، ومِن البديهي أن المجلس التشريعي يراقب أداء السلطة التنفيذية والقضاء يراقبها قانونيًّا؛ فكيف يستقيم أن تحارب الدولة الفساد والرئيس يعين رؤساء الهيئات القضائية، والنائب العام، ورئيس المحكمة الدستورية، وهم المنوط بهم هذه الرقابة؟!

وكما أنه يستحيل عقلًا أن يتم تعيين رئيس المجلس التشريعي بحال، فكذلك ينبغي أن يكون رؤساء الهيئات القضائية أيضًا حتى تستقيم الأمور، وكما ذكرنا في بداية كلامنا -في إيضاح موقف حزب النور وسبب تحفظه، بل ورفضه لبعض هذه التعديلات، ومنها مقترحات المواد المتعلقة بالقضاء-: أننا نربأ بالبرلمان وبالنظام السياسي المصري ككل ألا يرفع عن مصر الحرج مِن البخس بها وبسمعتها السياسية والدستورية في نظر الآخرين، وخاصة أن هؤلاء الآخرين ربما يكون عمر دولهم ذاتها مِن عمر أول دستور كتبه المصريون، فمصر أكبر وأعظم مِن أن يقف رئيسها في كل زيارة ليدافع ويسوغ عن أخطاء وأفكار تتسبب في خلق الحرج لمصر!

الكوتة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية