الفساد (6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
نماذج مِن الفساد ومكافحته ذكرها القرآن الكريم (2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مِن صور الفساد التي ذكرها القرآن الكريم فساد قارون الذي عاصر فرعون موسى، ولكنه كان مِن بني إسرائيل، وقد أرسل الله -تعالى- له موسى -عليه السلام- لينهاه عما هو عليه مِن الفساد، ولكنه أبى واستكبر، قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) (غافر:23-24) ، وقال -تعالى-: ( وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ . فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (العنكبوت:39-40) ، ومعلوم أن الذي خُسفت به الأرض هو قارون، والذي أُغرق فرعون وهامان وجنودهما.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقارون كان كافرًا في الباطن، منافقًا في الظاهر" (البداية والنهاية) .
وقد كان فساد قارون في بغيه على قومه، واغتراره بماله وقوته ونفوذه، ورفضه الإحسان إلى الآخرين وحرمانهم مِن حقوقهم عليه، مع وقوعه في الكبر بادعاء أن ما عنده مِن أموال طائلة إنما اكتسبها بعلمه ومواهبه وقدرته، وليس لأحدٍ عليه فيه فضل، وليس لأحدٍ فيه نصيب، بل عمد إلى إظهار غناه ونفوذه بالخروج بطرًا على قومه في زينته، ليفتنهم بما لديه، فخسف الله به الأرض أمام الجميع لتكون عقوبته عبرة يُضرب بها المثل لكل مَن جاء بعده، قال -تعالى-: ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:76- 83) .
مدافعة فساد قارون:
لما زاد بغي قارون أرسل الله له موسى -عليه السلام-، كما شارك علماء بني إسرائيل وصالحوهم في وعظ قارون وتذكيره، ونصح مَن فُتن به وتمنى أن يكون مثله على بغيه، فقالوا لقارون كما قال الله -تعالى- عنهم: ( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )، وقالوا لمَن فُتن به ما قاله -تعالى- عنهم: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ).
فلما أقيمت عليه الحجة البالغة وتمادى في البغي والعناد؛ خسف الله -تعالى- به وبداره الأرض، فصار كأن لم يكن، وختم قصته بتلك العبارة العظيمة: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:83) .
وهذا حال كل مَن ضيَّع حقوق الله عليه وحقوق العباد، وعند أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: ( مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُرْهَانٌ وَلَا نُورٌ وَلَا نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَهَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بن خلف ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الشيخ أحمد شاكر) ، وضرب المثل بهؤلاء لتنوع أسباب فسادهم وطغيانهم، فقارون أفسده ماله، وفرعون أفسده ملكه، وهامان أفسدته وزارته، وأبي أفسدته تجارته. نسأل الله -تعالى- السلامة والعافية.