شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (6)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ومِن نفس نوع الفساد الذي مارسه قارون كان فساد أصحاب الجنة الذين ذكرهم القرآن الكريم في سورة القلم، قال -تعالى-: ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ . فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ . فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ . قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ . قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ . عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ . كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (القلم:17-33) .

وهذه القصة ضربها الله -تعالى- مثلًا لكفار قريش فيما أهدى لهم مِن الرحمة العظيمة والنعمة الكبيرة، وهو بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقابلوه بالتكذيب والمحاربة، فكأنهم كمثل أصحاب الجنة الذين قابلوا نعمة الله عليهم بالعزم على منع حق الفقراء والمحتاجين، بجز وقطع ثمارها ليلًا؛ لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل فلا يتصدقوا مِن ثمارها بشيءٍ مما ينبغي عليهم فيها، وهذا إفساد بإيثار المصلحة الشخصية على حساب ما ينبغي للغير؛ استحقوا بها العقوبة الربانية بحرمانهم مِن ثمار هذه الجنة بالكلية، والجزاء مِن جنس العمل، فمَن حَرَم غيره مما ينبغي له حُرم هو مما في يده مِن الخير؛ لذا حرموا خير جنتهم بذنبهم، ومَن حرص على الاستكثار بما ليس له عوقب بنقيض ما أراد، وحرم مما كان له؛ لذا عوقبوا بنقيض قصدهم، نسأل الله -تعالى- العافية والسلامة.

ومِن صور الفساد التي ذكرها الله -تعالى- في القرآن الكريم قصة قوم لوط: وقد ابتدع قوم لوط فاحشة لم يسبقهم أحدٌ إليها، وهي إتيان الرجال مِن دون النساء، وقد وردت قصتهم في العديد مِن سور القرآن الكريم، منها سور: الأعراف، وهود، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، والذاريات، والقمر، وقد دعاهم نبي الله لوط -عليه السلام- إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن اقتراف الفواحش، ولكنه لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا له، واستمروا على فسادهم وضلالهم. قال -تعالى-: ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) (الأعراف:80-81) ، وقال -تعالى-: ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) (العنكبوت:28-29) .

وفي هذه الآيات وما شابهها ردٌّ على مَن يدعي وينادي بإطلاق الحريات الشخصية -باسم الليبرالية الدينية- في مثل هذه الفواحش المعاندة للشرع والمخالِفة للفطرة السوية بمفاسدها الاجتماعية والأخلاقية الخطيرة على المجتمع ككل.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرفيق ويأتون في ناديهم -وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم- المنكر مِن الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافها، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون مِن مجالسيهم، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل، ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظٍ، ولا نصيحة عاقلٍ، وكانوا في ذلك كالأنعام، بل أضل سبيلًا، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلًا، فأخذهم الله أخذا وبيلًا" (البداية والنهاية) .

قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) (هود:82-83) ، قلبها -عز وجل- فأهوى بها منكسة، عاليها سافلها، وغشاها بمطرٍ مِن الحجارة مِن سجيلٍ متتابعة مسومة مرقومة. و( سِجِّيلٍ ): لفظ فارسي معرب، وهو الشديد الصلب القوي. و( مَنْضُودٍ ): أي يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم مِن السماء. و( مُسَوَّمَةً ): معلَّمة.

وقال -تعالى- في سورة الشعراء: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ .وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ . قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ . قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ . رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ . فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ . ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ . وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين ) (الشعراء:160-173) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية