شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (6)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وكان الغرض مِن إدخاله السجن: إظهار يوسف -عليه السلام- أمام الناس في صورة المخطئ المذنب، وليكون بقاؤه في السجن لسنين سبيلًا لنسيان الجميع خطأ امرأة العزيز وقصتها مع يوسف، ولكن الله -تعالى- مكَّن يوسف عليه مِن الخروج مِن سجنه معززًا مكرمًا، ومبرأ مِن كل تهمة ليتولى خزائن مصر بعد اعتراف امرأة العزيز والنسوة ببراءته -عليه السلام-.

ويُلاحظ: أن الذي نفَّذ الحبس أصحاب السلطة، بينما كان التحريض والأمر مِن امرأة العزيز، حيث قالت: ( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (يوسف:32) .

صورة مِن الفساد الاجتماعي: وتتمثل فيما كانت عليه الأوضاع في بيت العزيز مِن اختلاط الرجال بالنساء والخلوة بهن، وما كانت عليه النساء في ذلك الوقت مِن الحظوة والتأثير، وإطلاق اليد في تصريف الأمور، ورغم انكشاف أمر امرأة العزيز لم يسعَ عزيز مصر إلى تغيير هذه الأوضاع داخل بيته! حيث اكتفى بقوله لامرأته: ( إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) (يوسف:28-29) ، فترك الأمور على ما هي عليه، لتتمادى امرأة العزيز مع نسوة المدينة في ملاحقة يوسف -عليه السلام- مِن جديدٍ.

حكمة يوسف في تصريف الأمور خلال المجاعة:

ضرب يوسف -عليه السلام- المثل الرائع في القيادة خلال المحنة العظيمة التي حاقتْ بمصر وما حولها طوال سبع سنوات عجاف، وهذه القيادة الحكيمة منعتْ بالقطع ظهور الفساد في البلاد رغم الشدة والمجاعة، وهي مِن صور الحماية والوقاية مِن الفساد الواجب على أولياء الأمور مراعاتها.

ومِن مظاهر ذلك:

1- وضع الخطة المناسبة للتعامل مع المجاعة مِن خلال:

أ- بذل أقصى جهد ودأب في الإنتاج خلال سنوات ما قبل المجاعة، حيث قال: ( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ) (يوسف:47) .

ب- الحث على الاقتصاد في الاستهلاك والأكل، وادخار ما زاد على ذلك في سنبله لحين الحاجة الشديدة إليه، حيث قال: ( فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ) (يوسف:47-48) ، ومعلوم أن مدار الاقتصاد على زيادة الإنتاج، والاقتصاد في الإنفاق، وادخار ما زاد أو استثماره.

2- التقدم لتحمل المسئولية:

إذ إنه مؤهل لها مِن خلال الصفات الواجبة فيمن يتحمل هذه المسئوليات، وأهم الصفات الواجبة كما بيَّنها يوسف -عليه السلام- هي الحفظ والعلم، حيث قال: ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (يوسف:55) ، ومعنى ( حَفِيظٌ ): أي قوي على حفظ ما لدي، أمين عليه. ومعنى ( عَلِيمٌ ): أي عليم بضبط الأشياء وتدبيرها ومراعاة مصالح الخزائن.

3- معايشة الناس والتعرف عليهم وعلى أحوالهم، ومعرفة الداخل والخارج منهم بنفسه، قال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) (يوسف:58) .

4- الوفاء في الكيل والإحسان إلى المحتاجين وحسن قراهم، والمساواة بين الجميع في العطاء والكيل، حيث قال: ( أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) (يوسف:59) .

الصفحة السابقة