الفساد (6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقال -تعالى-: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ . فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ . وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) (النمل:56-58) ، وقال -تعالى-: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ) (العنكبوت:29-30) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ . فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ) (القمر:38-39) .
ويُعد اللواط مِن المفاسد الاجتماعية والأخلاقية بما يتسبب فيه مِن أضارٍ بليغةٍ على الفرد الممارس له وللمجتمع مِن حوله، ومِن ذلك:
- ما فيه مِن الانحراف عن الفطرة السوية، وما يسببه مِن قلة الحياء في مواجهة مجتمع يزدريه.
- ما فيه مِن قتل المروءة والرجولة، وذهاب النخوة والكرامة وضياع الفضيلة.
- الميل إلى الانطواء والعزلة والمعاناة مِن الاضطراب النفسي؛ إذ لا يميل، ولا يأنس ممارس اللواط إلا لمَن على شاكلته وحاله.
- الانصراف عن مباشرة النساء ولو كانت زوجة، فلا يشتهيها مع القدرة على مباشرتها؛ مما يتسبب في زيادة العنوسة، وضياع حقوق الرعاية للزوجات.
- نقص إشباع العاطفة الجنسية؛ إذ إن اللواط بعيد عن إرضاء المجموع العصبي للفرد مع ما فيه مِن الإجهاد للجهاز العصبي، فلا مقارنة بيْن فسيولوجيا الجماع ووظيفة الأعضاء التناسلية الطبيعية فيه بما يحدث في اللواط الذي يصيب مقترفه بالتوتر، وخفقان القلب، والوهن العام.
- ما يسببه مِن الأمراض التناسلية المعدية الخطيرة، وفي مقدمتها: الإيدز، والزهري، والسيلان، والهربس.
ونظرًا لعنف ممارسة الجنس عن طريق الشرج فيتسبب اللواط في تمزق المستقيم، وهتك أنسجته وارتخاء عضلاته، وعدم القدرة على التحكم في البراز، فتخرج المواد البرازية بغير إرادةٍ أو شعورٍ.
ولشناعة فعل قوم لوط مع براءته -عليه السلام- التامة منهم، لا نجد مِن الناس مَن يسمِّي ابنه باسم: "لوطٍ"، مع عادة الناس في تسمية أبنائهم بأسماء الأنبياء!
ومِن صور الفساد التي ذكرها القرآن: قصة مدين قوم شعيب -عليه السلام-، وقد وردت في العديد مِن سور القرآن الكريم، وعادة ما يأتي ذكرها عقب ذكر قصة قوم لوط كما في سور: الأعراف، وهود، والحجر، والشعراء، ومدين كانت قريبة مِن أرض معان مِن أطراف الشام؛ مما يلي الحجاز قريبة مِن أرض قوم لوط وبعدهم بمدة قريبة، وكان أهل مدين مِن أسوأ الناس معاملة؛ يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما، ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص، وشعيب -عليه السلام- رجل منهم، ونبي بعثه الله إليهم، دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة الأيكة، وهي شجرة مِن الأيك حولها غيضة ملتفة بها كانوا يعبدونها، ونهاهم عن بخس المكيال والميزان، وحذرهم مِن عقاب الله -تعالى- لهم في الدنيا والآخرة.
وقد سمَّى بعض السلف شعيبًا -عليه السلام- خطيب الأنبياء؛ لفصاحته وبلاغته في دعوة قومه، فاتبعه بعض قومه وعارضه أكثرهم حتى أحل الله بهم بأسه الشديد، قال الله -تعالى-: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ . وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ . وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ . قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ . فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ . فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:176-191) ، وقال -تعالى-: ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ . كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) (هود:94-95) ، وقال -تعالى-: ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ . الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف:91-92) .
ومما ورد في هذا الشأن أيضًا: قصة يوسف -عليه السلام-، والتي جاءت مفصَّلة في سورةٍ كاملةٍ سُميت باسمه، وجاء فيها ذكر بعض مظاهر الفساد التي كانت في مصر في زمنه، وذكر صورٍ مِن تدابير الوقاية مِن وقوع الفساد التي مارسها يوسف -عليه السلام- إبان توليه خزائن مصر وقت المجاعة والشدة، وهي الأوقات التي يخشى فيها حدوث الفساد؛ إذ تزيد فيها نسبة حدوثه، وتزداد فيها آثاره السيئة.
ومما ذكر في ذلك:
- صورة مِن الفساد السياسي والقضائي: والذي ترتب عليه إلقاء يوسف -عليه السلام- في السجن بضع سنين بغير ذنبٍ ولا جريرةٍ، بعد أن تآمرت عليه امرأة العزيز ونسوة المدينة، قال -تعالى-: ( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) (يوسف:35) .