شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

متى ضاعت الجولان؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تذكرتُ وأنا أقرأ خبر مرسوم "ترامب" -الذي لا يملك- الاعتراف بسيادة إسرائيل -التي لا تستحق- على الجولان التي هي أرض محتلة بالاتفاق، داخلة في حدود دولة عربية عضو في الأمم المتحدة معترف بحدودها عبر عشرات السنين، هادمًا بذلك كل ما يُسَمُّونه: "المواثيق الدولية!"، وقوانين وقرارات هذه المنظمة التي تبيَّن أنهم أنشأوها لتبرير وتكريس واقع القوة الظالمة ليصبح حقًا معترَفًا به، ثم هدموا أُسُس إنشائها ليعودوا إلى عصور الإمبراطوريات الغازية التي تضم أراضي مَن حولَها حتى مَن بَعُد عنها بحكم القهر والغلبة.

تذكرتُ خطابًا سَمعتُه بنفسي في أواخر سبعينيات القرن الماضي مِن الرئيس المصري السابق "أنور السادات" بعد ما هاجمته الدول العربية آنذاك مِن أجل "كامب ديفيد"، وكانت سوريا -حافظ الأسد- تتزعم الهجوم والحصار والمقاطعة لمصر؛ فخرج "السادات" ليَفضح حقائق يعلمها عن الجولان، فقال فيما قال: "كل العسكريين في العالم يعلمون أن الجولان قد بيعت -يعني في حرب 67، حينما كان حافظ الأسد والد بشار الأسد وزيرًا لدفاع سوريا-".

وقال: "إن الجولان أُعلن سقوطها قبل أن يدخلها عسكري إسرائيلي واحدٌ؛ لأن الجولان مرتفعات لا يمكن أن تصعد إليها المُدرَّعات، وحمايتها تكون مِن أيسر ما يكون بأقل قوة، ولكن أُعلن سقوطها قبل دخول اليهود لها!".

وتذكرتُ أيضًا قصة رجل سوري حكى لي أنه كان جنديًّا في الجيش السوري أيام حرب 67 أخبرني أنهم قد صدرت لهم الأوامر من الانسحاب مِن الجولان، وليس أمامهم أي جنود أو مدرعات أو أي وجود للجيش الإسرائيلي! علمتُ ساعتها: لماذا صار حافظ الأسد العلوي بعد ذلك رئيسًا لسوريا؟!

وحكى "السادات" أيضًا: أنه بعد أن صار رئيسًا أخبر الملك فيصل أنه يعزم على الدخول في حرب ضد إسرائيل -حرب 73- بالتحالف مع سوريا؛ فقال له الملك فيصل: "كيف تضع يدك في يد حافظ الأسد؟! إنه علوي!"، فقال له: "يا جلالة الملك، قد اتفقنا ووضعنا خططًا مشتركة"، ونحو هذا، ثم حكى كيف وقع التخاذل الشديد على الجبهة السورية في حرب 73، حتى ازداد الضغط جدًّا على الجبهة المصرية، إضافة إلى الدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل في سيناء، وسوغ بذلك قبوله بوقف إطلاق النار.

تذكرتُ كل ذلك وأنا أنظر إلى منطقتنا بعد أكثر مِن ستين سنة، كيف وصل حال دولنا العربية والإسلامية وحال مجتمعاتنا إلى هذا الضعف والهوان، وعلمتُ: لماذا تجرأوا علينا؟!

لما وجدوا مِن الطمأنينة التامة للضعف المتناهي للبلاد الإسلامية كلها، وانتقال الصراع بين العرب والمسلمين وبين إسرائيل إلى صراع داخل المجتمعات العربية والمسلمة نفسها؛ وما ذاك إلا بمساهمة فعالة وأكيدة مِن الحركات والجماعات الموجَّهة مِن الأعداء -بعلمٍ أو بدون علمٍ-، حتى صار الصِّدَام الحاصل -بين الدول والأنظمة من جهة، والجماعات الداخلية من جهة أخرى- هو الذي يشغل كل هذه الدول والمجتمعات، وبدلًا من المحافظة على تماسك الدولة والمجتمع صار العدو الإستراتيجي لكلٍّ مِن الفريقين هو الفريق الآخر؛ مما كرس الانقسام الطائفي داخل المجتمعات، ومِن خلاله تتعرض الهوية الإسلامية والثوابت الإسلامية لمحاولات الهدم المستمرة.

قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير ٍ) (الشورى:30) ، وقال -تعالى-: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران:165) ؛ إن الله ما سلَّط علينا أعداءنا إلا عدلًا منه وحكمة ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (فصلت:46) .

إن الخطر العظيم الذي يتهدد واقع أمتنا هو في المحاولات الدؤوبة لتمييع الهوية الإسلامية، والابتعاد عن الدين ومهاجمة ثوابته بالليل والنهار؛ إن الأمة مُستهدَفَة في دينها وقِيَمها وأخلاقها وأهدافها، وقد صارت آمال الشباب مُعَلَّقة بالكُرَة، وصار إحراز أهدافها هو الهدف الأكبر لكثيرٍ منهم، والفوز بمسابقاتها أو حتى مجرد بلوغ أدوارها شبه النهائية هو الفوز الأكبر في حِسِّ كثيرٍ منهم، والأبطال هم نجوم الفن والسينما التي يضغط الغرب بكل قوة لإدخالها لكل بلاد المسلمين، وتحرير المرأة من عبوديتها لله لتصبح مملوكة لأهل الشهوات والفسق والفجور، وتصير لعبة فوق البيع في كل تجارة فاسدة باسم التقدم وانتصار قيم الحرية الغربية.

إن محاربة الدين والتدين وطمس الهوية الإسلامية لبلادنا لم ينتج عنه إلا الخراب والتمكين للأعداء، وهم لا يَرقُبون في مؤمنٍ إِلًّا ولا ذمة، ولن يعطوا مَن يتحالف معهم ويُمَكِّن لهم لتغيير قيم المجتمعات شيئًا مما تمناه!ّ

ما أشبه الليلة بالبارحة؛ نفس الخطاب الزاعم حرية العبادة لأهل الأديان مع أن المسجد الأقصى يُمنع مِن الصلاة فيه أهله الذين هم أهله في فلسطين والقدس، ليتمكن اليهود مِن دخوله في أي وقتٍ يشاءون؛ هو نفس الخطاب المذكور في اتفاقية تسليم غرناطة وسقوط الأندلس التي كانت تتضمن عدم إكراه المسلمين على ترك معتقدهم، وما لبثوا إلا مُدَّة يسيرة جدًّا إلا وقد نقضوا عامة بنودها، وأقيمت محاكم التفتيش البشعة وأزيل الإسلام والمسلمون بالكلية بأبشع صور الإبادة؛ فهم يستخدمون هذا الخطاب لمدةٍ وجيزة يظهر بعدها الوجه الحقيقي مِن التعصب الممقوت والعدوان ونقض العهود.

الصفحة التالية