شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

متى ضاعت الجولان؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

ومع ذلك فإن عقيدتنا في أن أمتنا قد تمرض، ولكن لن تموت راسخة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وسُتعافَى الأمة بعد حين وتعود لها عزتها إذا عادت لدينها، ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون:8) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33) .

عقيدتنا لا تتزعزع في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) (رواه مسلم) .

ومع يقيننا بذلك إلا أنه لابد لنا من نظرة إلى واقعنا اليوم والارتباط بين مِحَن المسلمين وما يصيبهم مِن آلام، وبين أمراض القلوب وأحوال النفوس والأعمال؛ فإن هذا النوع من التسلط مِن الأعداء لابد أن يجعلنا نعيد النظر في حالنا، ولا أقصد بذلك البلاد التي نزل بها البلاء دون غيرها؛ بل ربما كانت عقوبة العامة بنزول البلاد في بعض البلاد ليغفر الله -عز وجل- لهم ويتجاوز عنهم ويعفو عنهم، لكن لابد أن ننظر في جميع أحوال مجتمعاتنا؛ لابد أن ينظر العاملون من أجل الإسلام في أحوال قلوبهم.

إن التفرق الحالي الذي هو من أعظم أسباب تسلط الأعداء لا يمكن أن يكون بغير أمراض للقلوب ضيعت سلامتها وأفسدت أحوالها؛ إن إسلام القلوب لله كما أنه سبب لنجاة أصحابها يوم القيامة وصلاحهم واستقامتهم في خاصة أنفسهم فهو كذلك من أعظم أسباب التمكين؛ فإن الله يغير موازين الكون وسُنَنه التي يسير عليها من أجل الطائفة المؤمنة وإن كانت قليلة مُستضعَفة ليس لها من أسباب القوة ما يحقق لها ما ترجوه من إعلاء دين الله -سبحانه وتعالى-، ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال:26) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) (آل عمران:123) ، وقد بَيَّن -سبحانه- أن الهزيمة في أُحُد كانت بسبب تسلل مرض حب الدنيا إلى قلوب بعض المؤمنين فقال: ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ) (آل عمران:152) .

وقد اشترط الله -سبحانه- للتمكين في الأرض عبادة من العبادات القلبية، قال الله -تعالى-: ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (إبراهيم:13-14) ؛ فهلاك الظالمين مرتبطٌ بخوف مقام الله -عز وجل- بالمراقبة والاطلاع ثم بالمحاسبة يوم القيامة، وخوف وعيد الله -سبحانه وتعالى-.

أما إذا كانت النفوس بعد لم تُزَكّى والقلوب لم تصلح أوشكت الغاية أن تتبدل والوسائل أن تنحرف؛ فبدلًا من أن يكون التمكين في الأرض وسيلة لإقامة العبودية لله، لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يصير عند الكثيرين غاية أو وسيلة لتحصيل حظوظ النفس من الدنيا أو الانتقام لها، وبدلًا مِن أن تكون أهم الوسائل هي الحرص على متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصغير قبل الكبير صارت الوسائل هي المداهنة في أساسيات العقيدة وثوابت الدين.

إن سلامة القلب هي أول ما يجب على المكلَّف أن يحرص عليه؛ إذ لا يكون الإيمان ولا تحصل الأعمال إلا بسلامة القلوب من الأمراض التي كرهها الله -عز وجل-، وأمر العباد أن يداووا أنفسهم حتى لا تستفحل فتقضي على ما في القلوب من حياة أصحابها.

أما إذا أهمل علاج هذه الأمراض المتأصلة في النفس من العُجب والكبر والغرور وحب الرياسة والجاه والشهرة والرياء والسمعة التي ينشأ عنها تنافس الناس على هذه الدنيا؛ زاد الأمر في القلب حتى يصل إلى الشرك والنفاق، والعناد والفساد في الأرض مما ينذر بالهلاك والخسران.

لابد أن نعيد النظر في أحوالنا ليغير الله -عز وجل- ما بأمتنا مِن بلايا ومِحَن، وكلنا مسئولون.

ونسأل الله -عز وجل- أن يحفظ بلاد المسلمين ومجتمعاتهم مِن كل سوءٍ.

الصفحة السابقة