شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات (7)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

عوامل الثبات (3) مطالعة ودراسة السيرة النبوية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- سبق أن سيرة الأنبياء مِن أعظم أسباب الثبات: ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (هود:120) .

- سيرة سيد الرسل أعظم السير وأكثرها إعانة على الثبات: (تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم - انفراد الأمة بعلم الرواية والسند).

- سيرة سيد الرسل جاء الأمر الصريح بالاقتداء بما جاء بها: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) ، ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ) (الحشر:7) .

- حاجة الأمة ماسة إلى معرفة سيرته واتباع طريقته في زمان كل يدَّعي فيه المحبة والموالاة:

قال الشاعر:

كل يدَّعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

- مِن أعظم أسباب ضعف الأمة الآن هو الجهل بسيرة نبيها وترك العمل بها: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) .

وجوه التثبيت مِن السيرة النبوية:

- للسيرة وجوة كثيرة في تثبيت أتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- المطالعين لها والدارسين لمنهجه مِن خلالها، نقف على بعضها.

أولًا: مطالعة السيرة ومدارستها تزيد المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وزيادة المحبة ثبات:

- المطالع للسيرة يجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شخصيته فريدة تُحب مِن الوجهين: الشرعي والإنساني، فقد جمع الله له أعظم صفات الكمال البشري، حيث بلغ القمة في كل الفضائل والشمائل، من النبل والشرف، والصدق والعفة، وكل الصفات التي تجذب القلوب وتأسرها، قال -تعالى-: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم:4) ، وقالت خديجة -رضي الله عنها-: " إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ " (متفق عليه)، "وكانت العرب تلقبه قبل البعثة بالصادق الأمين".

- بل الجمادات كانت تحبه وتبكي لفراقه: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْطُبُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رُومِيٌّ فَقَالَ: أَلَا أَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْمِنْبَرِ فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَكَنَ، ثُمَّ قَالَ: ( أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (رواه الدارمي، وقال الألباني: إسناده جيد) .

ثانيًا: مطالعة السيرة تبعث على الاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، والاقتداء ثبات:

- المطالع للسيرة يجد أنها اشتملت على جميع نواحي حياته -صلى الله عليه وسلم- بأدق التفاصيل، بما لا يعرف لنبي سبق: قال اليهودي لسلمان -رضي الله عنه-: "قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ" (رواه مسلم) .

- المطالع للسيرة يجد المثال الأعظم والأعلى في كل المجالات متمثلًا في أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الزوج والأب والأخ، والعابد والزاهد، والقائد، والقاضي، والعالم والداعي، والمقاتل والسياسي، إلخ" ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) .

- مَن ادَّعى محبته، فضلًا عن محبة الله فعليه بالاتباع والاقتداء ولو خالف هواه: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران:31) ، وقال عمر -رضي الله عنه-: "إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (متفق عليه) .

ثالثًا: مطالعة السيرة ودراستها زاد للعلماء والدعاة، والتزود من السيرة ثبات:

- المطالع للسيرة يستشعر الجهد العظيم الهائل الذي بذله النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله من أول لحظة إلى آخر لحظة: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) (المدثر:1) ، ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة:3) ، وقال في خطبة الوداع: ( وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) (رواه مسلم) .

- مِن السيرة يتزود الدعاة بأساليب الدعوة المناسبة لكل حال وزمان: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (النساء:77) ، ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) (البقرة:193) .

الصفحة التالية