شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا "الحلاج" و"ابن عربي" و"جلال الدين الرومي" الآن؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تفكرت كثيرًا: لماذا كثر الظهور في أعمال فنية وأدبية كثيرة في بلدانٍ إسلاميةٍ مختلفةٍ متفرقةٍ، بل متعارضة الاتجاهات السياسية لرموز التصوف الفلسفي القائم على وحدة الوجود والحلول، وتقديمها للشباب المسلم على نموذج العشق الإلهي والصفاء والولاية، ربما على خلاف الحقائق التاريخية أنهم رموز المقاومة للغزاة المحتلين كما حدث في مسلسل قيامة "أرطغرل التركي" الذي قَدَّمت حلقاته الأولى "محيي الدين بن عربي" على أنه الأستاذ المربي لأرطغرل البطل المؤسس للدولة العثمانية، والمجاهد الصلب في سبيل الله على خلاف حقائق التاريخ أو -على الأقل- على غيابٍ له منها!

ثم جاءت الحلقات اللاحقة لتقدِّم "جلال الدين الرومي" على أنه عدو المغول المرتبط بالعثمانيين المجاهدين؛ وهذا بالفعل على خلاف حقائق التاريخ؛ لأنه كان مواليًا للتتار معينًا لدولتهم (اقرأ أخبار جلال الدين الرومي لأبي الفضل محمد بن عبد الله القونوي مِن ص72 إلى 88) ، مع التبجيل العجيب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لجلال الدين حتى ضَمَّن خطابَه في الأمم المتحدة بعبارات جلال الدين الرومي، وكتب التويتات في الثناء عليه، ولا ننسى أن اليونسكو قد قررتْ جعل عام 2007م عام جلال الدين الرومي لنشر تراثه في العالم خاصة ما يتعلق بوحدة الأديان، وفوجئت أن كتابًا عنه هو "قواعد العشق الأربعون" قد تحول إلى أشهر رواية أدبية يتداولها طلبة وطالبات جامعاتنا بالآلاف مِن الإسكندرية إلى الصعيد؛ لأنهم يهتمون بالعشق ليس الإلهي طبعًا، ولكن البشري، ولكن عند "الجلال" الكل واحد!

ثم علمتُ أن فنانين مِن الإمارات يعدون مسلسلًا سيعرض في رمضان عن "الحلاج" يتناوله على أنه رمز التصوف النقي، وأن قتله كان مأساة ظالمة، وفق ما تناوله صلاح عبد الصبور الشاعر المصري في كتابه مأساة الحلاج، ونظرتُ فإذا هو مِن الصعب جدًّا أن نتقبل أن هذه الأمور مجرد توافق غير مقصود مع استحضارنا لتقارير "مؤسسة راند" و"معهد كارنيجي"، وغيرهما مِن المراكز البحثية الغربية التي توصي صراحة بنشر التصوف لمقاومة التطرف السلفي -بزعمهم- (راجع كتاب بناء الشبكات الإسلامية المعتدلة) .

تذكرتُ في ذلك كله وأنا أرى ما يُعد لأمتنا مِن مزيدٍ مِن التمزق والتدمير والتخريب بإعداد الجماعات أمثال "داعش" و"القاعدة"، والسماح لها بالتمدد ثم تدمير البلاد بلدة تلو بلدة بحجة وجودهم فيها رغم أن القوات الأمريكية والروسية والموالين لهم هم الذين يتولون نقل بقاياهم، والحقيقة أنهم كثر بعد تدمير البلاد مرة بعد مرة إلى مواقع مأهولة ثم يضربون فجأة في أماكن جديدة تمهيدًا لتخريبها؛ كل هذا ينبئنا بخطرٍ عظيمٍ، وأزمة كبرى لابد أن ننتبه لها ونفيق مِن غفوتنا وكسلنا وعجزنا في مواجهتها.

إن القوم قد درسوا التاريخ جيدًا، وعلموا أن مِن أعظم أسباب انهيار الأمة أمامهم كان انتشار الفساد الاعتقادي والعملي، وانتشار البدع والمعاصي، ونقص العلم وكثرة الجهل، بل هذا عبر التاريخ للمسلمين في كل زمان، ومِن كل أمة، قال الله -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) (الإسراء:4-7) .

وقد ذكر أهل العلم في تفسيرها: أن الفساد وقع في بني إسرائيل بانتشار المعاصي والبدع ثم بانتشار الشرك والظلم والبغي، وبذلك حسب تسلط الأعداء، وعندما قامت الدعوة إلى الله على يد نبي لهم حفزهم على الجهاد في سبيل الله والإخلاص في ذلك، وطلبوا مِن نبيهم ملكًا يقاتلون في سبيل الله، ووُجد ذلك الجيل الذي كان منه داود -عليه السلام- في جيش طالوت -رضي الله عنه-، كان ما أرادوا مِن النصر والفتح بفضل الله -سبحانه وتعالى-.

ومَن تأمل التاريخ الأبعد وَجد نفس الأمر؛ فقد بيَّن الله -عز وجل- أن حصول الفساد في الأرض، وأعظم فساد هو فساد الاعتقاد بالشرك الذي سببه نقص العلم تدريجيًّا، فكان أول شرك وقع على ظهر الأرض بسبب موت العلماء، فبدأت البدع في الظهور، روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا . وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ) (نوح:23-24) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أسماء رجال صالحين مِن قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم -أي: زال- عُبدت"، كيف كان هذا سببًا لتدمير الأرض كلها وخرابها ثم كان ذلك الخير بوجود دعوة التوحيد التي دعا به نوح -عليه السلام-؛ فأنتَ ترى كيف كان نقص العلم سببًا لظهور البدعة العملية أولًا، وهي بدعة التماثيل التذكارية للصالحين والكبار، ثم تحولت إلى بدعة اعتقادية بظن التوسل بهم للاستسقاء، وغير ذلك مِن الحاجات، فلما مات تلامذة العلماء وزاد الجهل جدًّا ونسخ العلم؛ ظهرت البدع الكفرية الاعتقادية، وظهر الشرك صريحًا -والعياذ بالله- حتى سموها: "آلهة!".

الصفحة التالية