لماذا "الحلاج" و"ابن عربي" و"جلال الدين الرومي" الآن؟!
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
وقد جعل الله -عز وجل- الجهل صفة للكفار والمنافقين، قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) (التوبة:6) ، وقال -تعالى-: ( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) (المنافقون:7) ، وقال: ( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون:8) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) (متفق عليه) ، فقلة الفقه في الدين تؤدي إلى الشرِّ والفساد، والبدع والنفاق، وكلها أسباب في ضياع الأمم وتمزقها.
ولو تأملنا ما وقع في التاريخ كيف كان ظهور البدع والنفاق وانتشار الجهل سبب لتسلط الأعداء، فقد كان سقوط بيت المقدس في يد الصليبيين بعد ظهور الدولة الباطنية المسماة بالفاطمية وتسلطها على كثيرٍ مِن بلاد المسلمين في مصر وأفريقيا والحجاز وأجزاء مِن الشام، ولم ترجع القدس إلى المسلمين إلا بعد زوال هذه الدولة المنافقة على يد صلاح الدين مبعوثًا مِن نور الدين محمود -رحمهما الله تعالى-، وكان قد نشر أنواع العلوم؛ فصار البخاري ومسلم وكتب الحديث تُتلى في المساجد في مصر والشام، وكذلك كان تدريس الفقه على مذاهب السُّنة هو المنتشر لإزالة آثار هذه البدعة.
وكذلك كان مِن أعظم أساب سقوط الدولة العثمانية: انتشار بدع الخرافة، وتعظيم القبور والاستغاثة بالأموات، بدلًا مِن إعداد العدة لمواجهة الأعداء، بل تفرَّغت الدولة العثمانية إلى درجةٍ كبيرةٍ لمقاومة دعوات الإصلاح التي كانت في أواخر عهدها، بل كانت متصدية مِن خلال واليها محمد علي وإبراهيم باشا ابنه لمقاومة دعوة الإصلاح التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في الجزيرة العربية حتى قضوا على الدولة السعودية الأولى، وكان كل ذلك مِن أسباب الانحراف الذي أدَّى إلى الهزيمة المنكرة التي لم يشهد المسلمون مثيلًا لها عبر التاريخ لاحتلال كافة البلاد الإسلامية، ربما إلا الجزيرة العربية وأفغانستان، فضاعت عوامل النهضة مِن العلم والجهاد، وحصلت عوامل الانهيار عندما انتشرت بدع الخرافة وعبادة القبور وطلب قضاء الحاجات مِن الأموات.
ولقد كانت الدولة الأموية أيضًا مِن أعظم أسباب انهيارها كثرة حركات الخوارج التي دمَّرت كثيرًا مِن الأقاليم التي انتشرت فيها، ومهَّدت لسقوط الدولة الأموية على يد العباسيين.
ولقد تميزت النهضة الإسلامية المعاصرة بإقبالٍ كبيرٍ على العلم الشرعي وأهله، وحقق المنهج السلفي انتشارًا واسعًا بين أبناء العمل الإسلامي، وصارت عقيدة أهل السُّنة والجماعة طريقتهم في العلم والعمل مِن الرجوع إلى الآيات القرآنية والحديث النبوي، وكثرة الاستدلال بالنصوص، وانتشار التفسيرات السلفية، كابن كثير وابن جرير، وانتشار شروح كتب السنة وكتب العقيدة على طريقة السلف هي الأصل الذي يُرجع إليه، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الإصلاح لا يمكن أن يقوم إلا على العلم والسُّنة، والفساد يصاحبه الجهل وتسلط الأعداء عقب ذلك.
ولكن للأسف بعد مدةٍ مِن هذه النهضة جاءت فترة الربيع العربي بفتورٍ شديدٍ لدى الشباب، وخصوصًا في طلب العلم والإعراض عن دروسه والانشغال عند مَن يطلب العلم بعلوم الآلة: كالمنطق، وعلم الكلام، وأصول الفقه والمصطلح، مع إهمال العلوم المقصودة لذاتها؛ فهمل التفسير على حساب انتشار علوم القراءات، وهي في الأصل خادمة له؛ لتحقيق الفهم ثم التدبر والعمل والدعوة، ثم صار التقليد المذموم والتعصب المذهبي هو الذي يُسلك في جانب الفقه.
ووصل الأمر إلى التلفيق بين المذاهب المبنيَّة على الهوى واختيار الآراء بالتشهي، وتتبع رخص المذاهب، بل وإحداث الرخص المخالفة للإجماع؛ بزعم التيسير!
وأما في باب التوحيد: فالتوصية المستمرة بإعادة إحياء علوم الكلام، والمذاهب القائمة على ذلك: كالأشاعرة، والماتريدية، واعتبار أنهم هم أهل السُّنة دون غيرهم، مع اتهام السلفيين بأنهم مجسِّمون ومشبِّهون، ووصل الأمر إلى تكفيرهم والدعوة إلى إبادتهم، مع إهمال علم التوحيد الحقيقي المبني على نصوص الكتاب والسُّنة؛ فأدَّى ذلك إلى ضعف العمل وتأخر الدعوة، وعودة اتجاهات التغريب المدمرة مع الطرق الخرافية البدعية، ولا شك أن هذه البيئة هي التي يتضخم فيها عمل جماعة التكفير والصدام المسلح التي لا تقتل إلا المسلمين فهي لم تنتعش إلا في أوساط الشباب الجاهل، الذين تقودهم العاطفة الهوجاء والحماسة الفارغة والتي يسهل على الأعداء توجيهها مِن خلال مجموعة مِن العملاء، والمسوِّغ أمام أعينهم مِن انتشار الخرافة والبدع والضلالات؛ فتمزقت البلاد، وضاعت الأوطان، وزادت الوطأة للأعداء الذين سرَّهم أن تتحول بلادنا إلى سوقٍ للسلاح مع الدخول في مستنقعات الجهل والفقر والمرض.
ولا نجاة لنا مِن هذه الفتن إلا بعودتنا للعلم النافع والعمل الصالح، والدعوة المبنيَّة على ذلك؛ فلن تعود الأمة لقوتها إلا بنشر العلم بالكتاب والسُّنة، والعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، بالتفسير السلفي السني بالحديث الصحيح الثابت في العلوم التي هي فرض عين: كالإيمان والإسلام والإحسان، والتي هي فرض كفاية حتى تكون قضية العلم سمة أساسية لكل المنتسبين إلى العمل الإسلامي.
وطلب العلم صفة ضرورية لكل الدعاة إلى الله، بل لكل مسلم ومسلمة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، ولابد مِن إذكاء روح العمل الإسلامي الشامل في نفوس طلاب العلم، وبيان مسئوليتهم عن أمتهم، وأن عاطفتهم نحو قضايا المسلمين التي هي في الحقيقة جزء مِن إيمانهم وإسلامهم، لابد أن تكون منضبطة بالعلم والعمل الصالح، وأن علمهم في الدعوة المنظمة التي تهدف إلى إقامة الفروض الضائعة في الأمة هو علامة انتفاعهم بالعلم، كما أن تهذيب قلوبهم وإصلاح نفوسهم، وعلاج أمراض القلوب بالتربية على الإخلاص والحب، والخوف والرجاء، والتوكل والإنابة؛ هو الذي يحقق للأمة انطلاقها، ويعالِج أمراضها.