الفساد (7)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
دور المجتمع في مكافحة الفساد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاء الإسلام بمحاربة الفساد والتنفير منه، والحث على العمل الجاد؛ لاجتثاثه مِن جذوره، والقرآن الكريم مملوء بالآيات المتنوعة في بيان ذلك.
ومنها الآيات الدالة على عدم محبة الله -تعالى- للفساد:
قال الله -تعالى-: ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة:205) ، وقال -تعالى-: ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (المائدة:64) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص:77) .
الآيات في النهي عن الفساد:
قال -تعالى-: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ) (البقرة:11-12) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (الأعراف:56) ، وقال -تعالى- على لسان شعيب إلى قومه: ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) (الأعراف:85) ، وقال -تعالى- على لسان صالح -عليه السلام- لقومه: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ) (الشعراء:150-152) ، وقال -تعالى- في نصح قوم قارون لقارون: ( وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص:77) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (البقرة:60) ، (الأعراف:74) ، ( هود:85) ، (الشعراء:183) ، (العنكبوت:36) .
الآيات في ذم المفسدين:
ومنها قوله -تعالى-: ( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (البقرة:27) .
الآيات في توعد المفسدين:
قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (الرعد:25) ، وقال -تعالى- لأهل مدين على لسان شعيب -عليه السلام-: ( وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (الأعراف:86) ، وقال -تعالى- في قصة فرعون: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (الأعراف:103) ، وقال: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (النمل:14) ، وقال -تعالى-: ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) (النحل:88) .
وفي الحث على الإصلاح والابتعاد عن الفساد:
قال الله -تعالى-: ( فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ . وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (هود:116-117) ، وقال -تعالى-: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:83) .
مِن مهام الأمة: (محاربة الفساد):
جعل الله -تعالى- مِن مهام رسله إلى جانب الدعوة إلى التوحيد: الدعوة إلى الإصلاح والنهي عن الفساد، قال الله -سبحانه وتعالى- عن رسوله: ( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) (الأعراف:157) .
وبعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- صارت الأمة ككل مكلفة بهذه المهمة؛ إذ لا نبي بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (آل عمران:110) ، فخيرية الأمة إنما هو لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بأعباء هذه الوظيفة مِن صفات أهل الإيمان، قال -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (التوبة:71) .
وهذا الدور ينبغي على المسلم أن يقوم به مِن جهتين:
أ- جهة فردية: فيقوم بذلك بصفته مخاطبًا به بصفته الفردية، ففي الحديث المرفوع: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ، والحديث صريح في تحميل الفرد مسئولية إزالة الفساد مِن حوله، ويجعله في حالة استعداد للإصلاح وإزالة الفساد؛ إذ جعل أقل أحوال العبد عند العجز عن إزالة المنكر باليد أو اللسان أن يكون كارهًا له بقلبه، يتمنى وجود القوة على تغييره باليد أو اللسان.
قال الإمام النووي -رحمه الله-: "فبقلبه معناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير منه للمنكر، ولكنه هو الذي في وسعه" (شرح النووي على مسلم) ، فكراهية المنكر بالقلب عند العجز عن إزالته باليد واللسان مقدمة للتغيير، وإعداد وتهيئة للنفس للتغيير الفعلي عند القدرة، فكراهية الشيء مقدمة لإزالته وسابقة لتغييره، فجاز إطلاق اسم التغيير على كراهية القلب للمنكر بهذا الاعتبار.