الفساد (7)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ب- جهة جماعية: فيشارك بصفته فردًا في مجتمعه في القيام بهذا الدور الذي هو فرض كفاية على الأمة ككل، قال -تعالى-: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "والمقصود مِن هذه الآية: أن تكون فرقة مِن هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فردٍ مِن الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ )" (تفسير ابن كثير) .
ويكون ذلك الدور ضروريًّا مع ازدياد الفساد واستفحاله، ويؤكِّد هذا المعنى في العمل الجماعي قوله -تعالى-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) ، خاصة إذا كان هذا الدور لا يمكن تحصيله إلا مِن خلال التكاتف والاجتماع عليه.
نماذج قرآنية خالدة في نصرة أتباع الأنبياء للأنبياء:
1- قصة صاحب سورة (يس):
قال الله -تعالى-: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ . إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ . وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ . إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُون ) (يس:20-29) .
2- قصة مؤمن آل فرعون:
قال -تعالى-: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ . وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) إلى قوله -تعالى-: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) (غافر:28-45) .
الإسلام يحمِّل المسلم مسئولية إصلاح المجتمع الذي يعيش فيه:
فلا يكفي المسلم كونه صالحًا مهتديًا، وإنما ينبغي أن يكون كذلك مصلحًا وهاديًا لغيره، بحسب قدراته وإمكانياته واستطاعته، وفي إطار ضوابط وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بيَّنها العلماء، والتعاون في تحقيق ذلك مع الآخرين مِن العلماء والدعاة والمصلحين في المجتمع.
وهذه المسئولية الكبيرة تتحتم على المسلم مِن وجوهٍ عديدةٍ، منها:
1- أن رسالة الإسلام باقية إلى قيام الساعة لا تتوقف، والقيام بأعبائها مهمة كل مسلم بحسب قدرته، بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والإسلام هداية وإصلاح، ومنع للفساد والإفساد.
2- أن فساد المجتمع يؤثِّر تأثيرًا كبيرًا على كل فردٍ فيه، فلا يجد الفرد راحته وراحة أسرته ولا يتمكن مِن تنشئة أولاده على الصلاح كما يريد في مجتمعٍ يغلب عليه الفساد، بل قد يفتقد هو أيضًا القدرة عاجلًا أو آجلًا على الالتزام بالصلاح والتمسك به في وسطٍ لا يتسم بالصلاح والحرص عليه.
يقول د."عبد الكريم زيدان" في كتابه (أصول الدعوة): "الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، فتمرض روحه أو تهزل، أو تصح وتقوى، تبعًا لصلاح المجتمع أو فساده، وقد أشار النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في الحديث الشريف: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه) ، فالأبوان بالنسبة للصغير مجتمعه الصغير الذي يؤثِّر فيه فيدفعه إلى الفساد أو الصلاح، فإذا كان الأبوان ضالين دفعاه إلى الضلال وأخرجاه عن مقتضى الفطرة السليمة التي خلقه الله عليها، وإذا كانا صالحين أبقياه على الفطرة التي خلقه الله عليها، ونمَّيا فيه جانب الخير، وهكذا شأن المجتمع الكبير في تأثيره في الفرد صلاحًا وفسادًا".
ويؤيد ذلك قوله -تعالى- في قصة بلقيس ملكة سبأ: ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) (النمل:43) .