شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن ما يقدِّره الله مِن تبدل أحوال الدنيا على أنبيائه وأوليائه هو لحكمةٍ بالغةٍ يَستخرج بها -سبحانه- منهم أنواعًا مِن العبودية لا تحصل إلا بتداول الأيام بين الناس، فيبتليهم؛ ليسمع تضرعهم، ويقدِّر عليهم المحن؛ ليسمع شكواهم إليه.

وعندما أرى أنواع المحن التي يتعرض لها المسلمون أحبُّ أن أسترجع كلماتٍ طيباتٍ وجدتُ بها زمنًا برد اليقين بوعد الله، ولذة الشكوى إلى الله؛ إذ هي عبادة عظيمة، فأحببتُ أن أسترجعها مع إخواني وأبنائي، كلمات حول قوله -تعالى- عن يعقوب -عليه السلام-: ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (يوسف:84-86) ، عسى أن يكون فيها زوال الهموم وشرح الصدور، وتجديد العزيمة، وتحمُّل الأذى والشماتة.

قوله -تعالى-: ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ ): أعرض يعقوب -عليه السلام- عن أبنائه، وتذكَّر حزنه القديم على يوسف -عليه السلام-، جَدَّدَ له فَقْد الابنين حزن فقد يوسف، بل هو لم يزل موجودًا في قلبه لم يفارقه، ولكن الصبر الجميل منع مِن ظهوره أمامهم، وقد يتعجب المرء مِن أن الخبر بفقد بنيامين کان يناسبه أن يقول: "يا أسفى على بنيامين"، ولكنه قال: ( يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ) ؛ فلا شك أن يوسف أحب إليه، ثم إن هذا الموقف ذكَّره بقيمة يوسف -عليه الصلاة والسلام- وقدره، وصفاته الجميلة.

فها هم أحد عشر رجلًا يستطيعون حفظ واحدٍ منهم، فما قدرهم بالنسبة إلى قدر يوسف -عليه السلام-؟!

إن هذه البلايا إنما يقوم لها يوسف -عليه السلام- مقامهم مجتمعين، بل خيرًا منهم بلا شك، ووالله لقد كان؛ فيوسف هو الذي يفرِّج الله به کرب يعقوب في بنيه، ولكنه يفتقده حينما قال: ( يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ )، إن فقد الرجال وغياب الكرماء وانعدام الثقات هو الذي يؤلم رعاة البشر؛ الأنبياء وأتباعهم.

وإن هذا المعنى -والله أعلم- هو الذي جعل عمر -رضي الله عنه- عندما صلى بالناس فقرأ هذه السورة، حتى إذا وصل إلى قوله -تعالى- عن يعقوب -عليه السلام- في هذا الموضع: ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ )، سُمع نحيبه ونشيجه، أي: بكاؤه مِن آخر المسجد، وهو الذي قال: "اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة!"، وقال لجلسائه: "تمنوا"، فيتمنى أحدهم مالًا لينفقه في سبيل الله، ويتمنى الآخر خيلًا يجاهد عليها في سبيل الله، وغير ذلك... فيقول: "لكني أتمني دارًا مثل هذه، فيها رجال مثل أبي عبيدة بن الجراح أستعملهم في أمور المسلمين" -أو كما قال رضي الله عنه-.

إنه والله همٌّ عظيمٌ، وشدة شديدة أن يُفقد الرجال؛ إذا كان في زمان عمر والصحابة -رضي الله عنهم- حوله متوافرون يشكو إلى الله عجز الثقة، بل أعظم مِن ذلك إذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يقول: ( إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ) (متفق عليه) ، فالراحلة التي تصلح للسفر الطويل وحمل الأشياء، أقل مِن واحد بالمائة في الناس؛ فكيف بأزمانٍ انعدم فيها الثقات وغاب فيها العلماء، وعز فيها الكرماء؟! اللهم إليك المشتكى، ويا أسفي على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمثالهم -وما لهم مثيل- وأشباههم وأتباعهم.

ماذا نصنع؟! وكيف نهنأ بالعيش والمسلمون قد تضاعف عددهم بآلاف الملايين وتضاعف كربهم ومحنتهم وبلاؤهم، وعظم الجهل فيهم، وقلَّ العلم فيهم، وتسلط عليهم دعاة على أبواب جهنم مَن أجابهم إليها قذفوه فيها؟! أما يحق لنا أن نبكي على أنفسنا وأهلينا وأبنائنا وأمتنا؟!

إن يعقوب -عليه السلام- لما ضيَّع أبناؤه أخاهم الثاني، تذكر أمانة يوسف -عليه السلام- وکرمه وعلمه وحسن صفاته، فتأسف عليه ( يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) شكوي إلى الله -سبحانه- وحزنًا على عدم الراعي الشفيق الرفيق، ومَن يُعد لنوائب الدهر، مع أنه يعلم أنه عن قريبٍ يلقاه، وأن غيابه مؤقت؛ لأنه يعلم مِن الله - مِن وعده الصادق الذي لا يخلف- ما لا يعلمون، يعلم مِن حكمه وجوده -سبحانه-، ويعلم مِن رحمته وفضله ما لا يعلمون، يعلم مِن عزته -سبحانه- وأنه الغالب على أمره، وأنه حسب مَن توكل عليه، وأنه لا يضيع أجر المحسنين، ما يجعله يوقن بقرب لقاء يوسف -عليه السلام-.

فهل نبكي على حالنا وحال أمتنا؟!

نشكو إلى الله همنا وحزننا وبثنا؛ عسى أن يكون في ذلك قرب فرجنا.

فإن كنا لا ندري ما يصنع الله بنا كأفرادٍ أو كجيل، لكننا على يقين مِن أن الأمة لا تموت، وأن الحق منها لا يضيع، وأنه ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ ) (متفق عليه) ، ونسأله -سبحانه- أن يجعلنا منهم، وأن يجعلنا خطوات على الطريق، ولبنات في البناء؛ إنه هو العليم الحكيم.

وقوله -تعالى-: ( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ) أي: ذهب ضوؤها، فعمي يعقوب -عليه السلام-، وهذا بلاء جديد، فإنه يأمل ويرجو أن يرى يوسف بعينيه، ذهبت العينان وذهب البصر بسبب الحزن، ولكن الرجاء في الله باقٍ، والصبر قائم، وهذا دليل على أن الحزن لا ينافي الصبر والرضا، فإنه مِن الرحمة بخلق الله -سبحانه- لا مِن السخط على قدر الله.

الصفحة التالية