شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبَّنَا، وَاللهِ يَا إِبْرَاهِيمُ -يعني ابنه- إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ) (متفق عليه) ؛ إنه مقام الرحمة بالخلق وفيض المشاعر الرقيقة الرفيعة، وزوال القسوة التي لا يحبها الله، إن وجود الألم الفطري لا ينافي الرضا عن الله وبالله؛ فضلًا أنه ينافي الصبر، ولكن هذا الألم يذوب في حلاوة الرضا ويفيض الله على القلب ما يغنيه ولا يشقيه، فيكون حزنًا وبثًّا عجيبًا لا يشقى به الإنسان، بل يجد لذة الشكوى إلى الله، والشعور بآثار رأفته وروحه، ويبكي فرحًا، ويشتكي سرورًا، ويتألم ملتذًا!

ووالله إنه لأمر عجيب، لكنه حقيقي؛ قد يصعب وصفه أو يستحيل إدراكه إلا بالوجد والذوق، ولكن إذا تأملت الآيات وجدته والله جليًّا واضحًا، فيعقوب قد صبر الصبر الجميل، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، أي: ساكت كئيب، لا يشكو أمره وما يجده في صدره إلى مخلوق، وليس حزنه وبثه -أي: همه وغمه- على المستقبل والحاضر، والحزن على الماضي ليس لفوت دنيا ولمجرد فقد ابن، بل قلق على مستقبل أمة وغياب راعٍ شفيقٍ يقوم مقام أمة، وهو مع ذلك لا ييأس من روح الله، ويبث روح الرجاء التي تبدد ظلمات اليأس في بنيه الذين يشفقون عليه مِن الضعف: ( قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ) أي: ضعيف القوة، ويخشون عليه مِن الهلاك: ( أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ )، فيقول لهم واصفًا حقيقة بكائه وحزنه: ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف:86-87) .

إن عبادة الشكوى إلى الله عبادة عظيمة تجلب للقلب أنواعًا مِن الطمأنينة والراحة، والسكون والسعادة، لا يمكن أن يوجد في عبادةٍ غيرها؛ إنها عبادة أداها نوح -عليه السلام- حين شكى إلى الله فقال: ( رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) ( نوح:5- ?) .

وأدَّاها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال: ( اللهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي: إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانًا عَلَيَّ، فَلَا أُبَالِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي، وَلَكِنْ عَافِيَتُكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَنْ تُنْزِلَ بِي سَخَطَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلِيَّ غَضَبُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ ) (رواه الطبراني والبيهقي، وضعفه الألباني، وإن كانت شهرته تغني عن إسناده، وقد قال الإمام ابن القيم عنه: "عليه نور النبوة") .

إنها عبادة استوقفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: حين سُمِع نشيجه عند هذه الآية واستوقفته حين كان مع أصحابه، فاستوقفته امرأة عجوز فترك الناس وقام معها فأطال القيام حتى قضى حاجتها فانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبستْ رجالات قريش على هذه العجوز!

قال: ويحك، وتدري مَن هذه؟! قال: لا.

قال: هذه امرأة سمع الله شكواها مِن فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تتصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضى حاجتها، إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضى حاجتها (وإن كان هذا الأثر منقطعًا، فقد روي مِن غير وجهٍ) .

إن عبادة الشكوى إلى الله مِن أجلها قدَّر الله المحنة والبلاء، بل والمعصية والكفر، حتى يَسمع تضرع عباده إليه، ويؤخر إجابة دعوتهم -وقد أجابها-؛ لأنه يحب أن يسمع تضرعهم وشكواهم إليه ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) (الأنعام:43) ، فهل وجدت أخي المبتلى مفتاح الكنز الذي معك، وربما لا تدري؟ فهلا فتحت القفل بالمفتاح وأعددت القلب ليفضَى عليه مِن الرحمة ويُسبغ عليه من النعمة؟!

اللهم نشكو ما نزل بنا وبالمسلمين، ونؤمن بك ونتوكل عليك، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، فاللهم فرِّج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم استر عورات المسلمين وآمن روعاتهم، وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم وجرحاهم، وخفف آلامهم، وارحم أطفالهم وأيتامهم وأراملهم، ورجالهم ونساءهم في كل مكان يا رب العالمين.

وفي قوله -عليه السلام-: ( وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ): استحضار الخصوصية في العلاقة مع الله -سبحانه- والعلم به -عز وجل-، وهذه الخصوصية مِن أعظم الأسباب الجالبة للمحبة والشوق إلى الله -سبحانه-؛ لأنها مِن أعظم النعم والمنن، والحب ينبت على حافات المنن، والشوق يحصل بشهود الفضل والاختصاص، وإذا كان هذا الاختصاص يتعلق بالعلم بالأسماء والصفات والأفعال، فهو أعظم اختصاص واجتباء يفتح الله به على القلب أنواع السكينة والأمن والطمأنينة والراحة مما هو دقيقة مِن نعيم أهل الجنة.

فنسأل الله النعيم الذي لا ينفد، وقرة العين التي لا تنقطع.

الصفحة السابقة