شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (8) الرشوة أشهر صور الفساد

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتعد الرشوة أشهر صور الفساد داخل المؤسسات وأماكن الخدمات الحكومية، وقد صارت الرشوة شائعة يمارسها الأغنياء والفقراء على السواء، وإن اختلفت مستوياتها والمرجو مِن ورائها، مِن طبقةٍ لأخرى، ومِن رشوةٍ لأخرى.

والرشوة: ما يُعطى لقضاء مصلحة، أو ما يعطى لإحقاق باطلٍ أو إبطال حق. والجمع: رشا، بكسر الراء وضمها (انظر المعجم الوجيز) .

وكلمة الرشوة: أصلها مِن الرشاء، وهو الحبل الذي يُتوصل به إلى الماء. فالراشي: مَن يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا.

والثلاثة مستحقون للعن: "الراشي والمرتشي والرائش"؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ" (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وعنه -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

قال الخطابي -رحمه الله-: "وإنما يلحقهما العقوبة إذا استويا في القصد والإرادة؛ فرشا المعطي لينال به باطلًا ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى أخذ حق أو يدفع عن نفسه ظلمًا؛ فإنه غير داخل في هذا الوعيد" (معالم السنن) .

والقوانين تحرِّم الرشوة، ففي قانون العقوبات المصري: نصت المادة (103 مكرر) على تعريف المرتشي بأنه: "كل موظف عمومي يطلب لنفسه أو لغيره أو قَبِل أو أخذ وعدًا أو عطية لأداء عمل يعتقد خطأ أو يزعم أنه مِن أعمال وظيفته أو الامتناع عنه". وتطور الحياة الاقتصادية أوجد أشكالًا جديدة وعديدة، وسلوكيات وممارسات كثيرة تندرج في المعنى القانوني والأخلاقي للفساد. وفي قانون العقوبات الفرنسي التمييز بين صورتين من هذا الفساد، وإن كان كلاهما فساد؛ فهناك الفساد النشط وهو: "سعي الموظف الحكومي بنشاطٍ مِن أجل الحصول على هدية أو منفعة أو رشوة قبل تقديمه الخدمة أو منح العقد"، وهناك الفساد السلبي وهو: "قبول المسئول لهديةٍ أو مكافأة أخرى بعد منح العقد أو تقديم الخدمة".

فالموظف العمومي (الحكومي) لا يجوز له أن يحصل على أي أموال أو منفعة قبل أداء الخدمة التي يقدمها لعميل أو مواطن أو بعدها، بطلب منه أو بدونه، ولا يعد ما يأخذه -ولو كان من غير طلبه- مِن قبيل الهدية الجائزة، وهذا ما عليه العمل بصرامة في العديد من الدول المتقدمة، فلا يقبل الموظف العمومي هناك أي عطاء مقابل عمله إلا الرسوم المفروضة إن وجدت.

وقد سبق الإسلام ما وصلت إليه الحضارة الحديثة في هذا الشأن منذ (14) قرنًا: ففي الحديث عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أُهْدِيَ لِي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ( مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ )، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ( اللهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ ) مَرَّتَيْنِ. (متفق عليه) . (ابن اللتبية: بضم اللام وفتحها، وسكون التاء المثناة الفوقية وفتحها، نسبة إلى بني لتيب، قبيلة معروفة، واسمه: عبد الله. الرغاء: صوت البعير. الخوار: صوت البقر. تيعر: أي تصيح، واليعار: صوت الشاة).

وفي رواية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن اللتبية: ( فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا )، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ( أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا، فَوَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَلاَ فَلَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ )، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ: ( أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟! ) (متفق عليه) .

قال الشيخ عبد الغني النابلسي: "وفي الحديث: بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، وقد بيَّن -صلى الله تعالى عليه وسلم- في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية، وأنها بسبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة" (تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية، ط. مكتبة القرآن القاهرة، ص: 59-60) .

والغلول: هو الخيانة في المغنم، والسرقة مِن الغنيمة قبل قسمتها، وكل مَن خان في شيء خُفية فقد غل، وسميت غلولًا؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة، مجعول فيها غل، وهي القيد الحديدي الذي يجمع يد الأسير إلى عنقه.

الصفحة التالية