شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (8) الرشوة أشهر صور الفساد

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ونقل الشيخ عبد الغني النابلسي عن الخطابي قوله: "في هذا بيان أن هدايا العمال سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل الهدايا المباحات، وإنما يهدي إليه للمحاباة وليخفف عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله".

والسحت: الحرام الذي لا يحل كسبه، فهو يسحت البركة أي يذهبها، وهو مشتق مِن السَّحت -بتشديد الفتحة على السين- وهو الإهلاك.

وفي حديث عدي بن عميرة -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: ( وَمَا لَكَ؟ ) قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ( وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى ) (رواه مسلم) .

وفي الحديث عن خولة بنت عامر الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ ) (رواه البخاري) .

ومِن التخوض في المال: التصرف فيه تصرفًا غير شرعي وبدعاوي باطلة.

وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب الهبة: "باب مَن لم يقبل الهدية لعلة"، عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قال: "كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَدِيَّةً، وَاليَوْمَ رِشْوَةٌ" (صحيح البخاري 3/ 159) .

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- في شرحه للحديث: "وصله ابن سعد بقصة فيه مِن طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئًا يشتري به، فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها، ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك؟ فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت ألم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- يقبلون الهدية؟ فقال: "إنها كانت لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة".

قال ابن حجر -رحمه الله-: "ووصله أبو نعيم في الحلية من طريق عمر بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز في قصة أخرى" (انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 5/ 261) .

وفي المقابل لذلك: حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ) (متفق عليه) .

( الْخَازِنَ ): مبتدأ. و( أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ): خبر. ( الْأَمِينَ ): الذي يؤدي ما اؤتمن عليه. ( يُنْفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ ): أي يفعله؛ لأن مِن الناس مَن يكون أمينًا، لكنه متكاسل، فالمراد الأمين القوي لا الأمين الضعيف. ( طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ ): طيبة نفسه إذا نفذ وأعطى ما أمر، لا يمنُّ على المعطي، أو يظهر فضلًا عليه، بل يعطيه طيبة به نفسه. يكون ( أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ): يُثاب بثواب المتصدق مع أنه لم يدفع مِن ماله شيئًا.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: "ففي هذا الحديث دليل على فضل الأمانة، وعلى فضل التنفيذ فيما وكل فيه وعدم التفريط فيه" (شرح رياض الصالحين) .

الفرق بين الهدية والرشوة:

يستحب التهادي بين الناس ويستحب قبول الهدية، ويستحب مقابلة الهدية بهدية مِن باب التودد بين الناس، ففي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة: "ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَارٌ"، فَقُلْتُ يَا خَالَةُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟! قَالَتْ: "الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (رواه البخاري) .

وعنها -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا" (رواه البخاري) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ) (رواه البخاري) .

قال المناوي -رحمه الله- نقلًا عن ابن بطال: "أشار -عليه الصلاة والسلام- بالكراع إلى الحث على قبول الهدية وإن قلَّتْ؛ لئلا يمتنع الباعث مِن الهدية لاحتقار الشيء، فحثَّ على ذلك؛ لما فيه مِن التآلف" (فيض القدير) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ ) (متفق عليه) . والفرسن: عظم قليل اللحم.

قال الإمام عبد الغني النابلسي: "وقد أجمعت الأمة على جواز أخذ الهدية، وأجمعت الأمة أيضًا على تحريم أخذ الرشوة مِن غير نكيرٍ منكر في ذلك" (تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية) .

فمن استعمل على عمل أو تولى القضاء لا يجوز أن يأخذ ما قد يُعطى إليه أثناء عمله الذي تولاه، مع مراعاة القيام بعمله المكلف به بكل أمانةٍ وكفاءةٍ على النحو المطلوب منه، دون أن ينتظر أو يأخذ على عمله هذا غير راتبه الذي قبله لنفسه على هذا العمل.

الصفحة السابقة الصفحة التالية