الفساد (8) الرشوة أشهر صور الفساد
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فإذا أعطي العامل عطية مِن بيت المال أو مالًا مِن السلطان بغير مسألة ولا تطلع نفس؛ فله أخذه، وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ) (متفق عليه) ، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( مَا آتَاكَ الله مِنْ أَمْوَالِ السُّلْطَانِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلاَ إِشْرَافٍ فَكُلْهُ وَتَمَوَّلْهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
قال الإمام النووي -رحمه الله- في حكم أخذ العامل لعطية السلطان التي يعطيها له: "الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه يستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان فحرَّمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم. والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى مَن لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه مِن استحقاق الأخذ" (شرح النووي على مسلم) .
والرشوة وإن كانت حدثت في أول أمرها في صورٍ فرديةٍ، لكن تزايدها دون مقاومة حقيقية مؤثرة مِن الشرفاء والمصلحين، ومنظمات المجتمع المدني؛ أدَّى إلى تحولها إلى نمطٍ عامٍّ وسلوكٍ واسع الانتشار ليس في الطبقات العليا فقط، ولكن في باقي فئات المجتمع، ليتحول معها المجتمع ككل إلى ما يشبه الغابة التي لا يحكمها قواعد للسلوك أو نظام أخلاقي في المعاملات، حتى صار الفساد ثقافة مقبولة ومتفشية!
ومما هو متفق عليه أن سياسات الحكومة في مصر بشأن المرتبات والأجور هي التي أدت بصفة رئيسية إلى انتشار الرشوة في المجتمع المصري من خلال ظهور أماكن تقدِّم خدماتها بصورةٍ غير رسمية بعيدًا عن أماكن الخدمات والأجهزة الحكومية، خاصة في مجالات التعليم والصحة، وهي ما تعرف بالمرافق الموازية، ومِن خلال تفشي تسهيل خدمات بصورة خفية غير معلنة داخل أماكن الخدمات الرسمية والأجهزة الحكومية في التعليم، والصحة، والشرطة، والمحاكم، ومكاتب التوثيق والشهر العقاري، وغيرها، فيما يُعرف باسم: (الاقتصاد الخفي) أو (الاقتصاد الموازي) أو (الاقتصاد غير الرسمي)!
وتعد الرشوة داعمًا رئيسيًّا لهذا الاقتصاد الخفي الذي لا يدخل سجلات الدولة رسميًّا، وإنما يدخل جيوب المستفيدين منه على حساب دافعيه، وهو في مجمله إيرادات بمليارات الجنيهات سنويًّا مهدرة، يدفع تكلفتها مقدموها؛ فعلى سبيل المثال:
في مجال الصحة:
حيث يتردد على المستشفيات والوحدات الصحية على مستوى الجمهورية حوالي 47 مليون مريض سنويًّا وفقًا لبيانات وزارة الصحة عام 2006 م، وحوالي 5 و16 مليون عام 2008م، وغالبيتهم مِن الفقراء ومحدودي الدخل؛ إذ إن القادرين ماليًّا يتوجهون إلى المستشفيات الاستثمارية،. وهذا القطاع يدخله الفساد مِن جهة الرشوة في العديد مِن الخطوات التي يقوم بها المرضى والمنتفعين داخل المستشفيات والوحدات الصحية بدءًا مِن نظام العلاج المجاني أو بالأجر؛ للحصول على حجزٍ في عنبرٍ أو موعد لإجراء جراحة مرورًا باستخراج قرارات للعلاج على نفقة الدولة، ويتورط في هذه الممارسات الفاسدة الكثير مِن الأطباء والتمريض وعمال المستشفيات، والوحدات الصحية؛ لتقديم الخدمات الطبية على الوجه الأكمل!
ولكلٍّ أساليبه لينال حظه مِن مال الفساد، مِن إجبار المرضى على اللجوء إلى العيادات الخاصة للأطباء خارج المستشفيات، والاتفاق على أتعاب العملية الجراحية التي ستجرى بمعرفة طبيب العيادة الخاصة، ولكن في المستشفى التي يعمل بها، حيث يعد المريض بعد الاتفاق في العيادة الخاصة حالة الطبيب مضمونة الحجز والدخول، وأخذ العلاج المناسب وإجراء العمليات الجراحية مجانًا في المستشفى الحكومي (حالة الدكتور فلان)، ويحصل طاقم التمريض والعمال بدورهم على إكراميات في مقابل الرعاية المناسبة للمريض داخل المستشفى الحكومي أو الوحدة الصحية (راجع في ذلك: اقتصاديات الفساد في مصر، د.عبد الخالق فاروق، ط. مكتبة الأسرة 2012م، ص: 57-58) .
وفي مجال الأمن والشرطة والمحاكم:
فقد بلغت أعداد المحاضر المقيدة في أقسام الشرطة ومديريات الأمن وبلاغات النيابات في عقد التسعينيات أكثر مِن 10 مليون محضرًا سنويًّا، وتنظر المحاكم المصرية سنويًّا حوالي 3 ملايين قضية، ومجمل القضايا المعروضة أمام القضاء بكل فروعه نحو 30 مليون قضية وفقًا لبيانات عام 1998م.
ومِن ممارسات الفساد الخفي فيها:
- ما يقدم مِن إكراميات (رشوة) في المحاكم بصورةٍ يوميةٍ وشبه علنية لدى قلم المحضرين، وكتبة الدوائر، وسكرتيري الدوائر، ومِن ورائهم أفراد حراسة وأمن الترحيلات المرتبطين بالمحاكم وجلساتها.
- الحاجة إلى واسطة أو دفع إكرامية (رشوة) في أقسام الشرطة والمديريات تقدم لمندوبي الشرطة أو الأمناء أو المخبرين السريين لتحرير محضر بواقعةٍ، أو نحو ذلك مِن الخدمات.
- الهدايا التي تمنح لضباط الشرطة والمباحث وقيادات الأمن من كبار التجار ورجال الأعمال لتقديم الحماية والمساندة عند الضرورة.
- تقديم خدمات وتسهيلات لبعض المشاهير مِن الفنانين ورجال الأعمال والمال في الجوازات والمطارات في مقابل هدايا عينية ومالية، وخدمات أخرى (راجع اقتصاديات الفساد في مصر، ص: 55- 57) .
وهذا على سبيل المثال لا الحصر؛ وإلا فهناك صور أخرى كثيرة مشابهة في الجمارك والضرائب، ومدارس وإدارات التربية والتعليم والمحليات، وهي صور مِن الفساد المحرَّم -كما بيَّنا-، وتستنزف المليارات مِن المواطنين بغير وجه حق تمثِّل عبئًا زائدًا عليهم، وتتم بعيدًا عن السجلات الرسمية والتراخيص اللازمة لها والضرائب المترتبة عليها.