شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مدنية الدولة في التعديلات الدستورية 2019م

طلعت مرزوق • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد نصَّت المادة رقم: (200) مِن مشروع الدستور المصري المُعَدل في أبريل 2019م على أنَّ: "القوات المسلحة مِلكٌ للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هي التي تُنشئ هذه القوات، ويُحظر على أي فردٍ أو هيئةٍ أو جهةٍ أو جماعةٍ إنشاء تشكيلات أو فِرق أو تنظيمات عسكرية أو شِبه عسكرية".

وقد أحدث مصطلح "مدنية الدولة" تخوفًا عند بعض المواطنين، وعلى رأسهم: "أعضاء حزب النور"؛ بسبب عدم وجود تعريف جامع مانع لهذا المصطلح في المعاجم والمراجع اللغوية والقانونية، والسياسية المعتمدة.

ويمكن حصر التعريفات المتداولة في غيرها فيما يأتي:

- الدولة العصرية "الحضارية".

- الدولة الوطنية الدستورية، أو الديمقراطية الحديثة.

- مقابل الدولة العسكرية البوليسية.

- مقابل الدولة الدينية الثيوقراطية بالمفهوم الغربي.

- دولة المواطنة، واحترام الدستور والقانون، والفصل بين السلطات.

- الدولة العلمانية.

وحيث إن الأصل في الألفاظ الدستورية أن تكون محددة واضحة، وخوفًا مِن محاولة ترويج بعض العلمانيين التعريف الأخير -ولو مستقبلًا-، وخاصة بعد تصريح الرئيس التونسي "باجي قايد السبسي"، رفض حزب النور هذه الصياغة باللجنة العامة لمجلس النواب، ثم باللجنة الدستورية والتشريعية، ثم بجلسات الحوار المجتمعي، وطَرحَ عدة صياغات بديلة.

وعندما طُرحت الصيغة النهائية للمادة بالجلسة العامة لمجلس النواب للتصويت النهائي، دون تعديل الصياغة، رفض رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور التعديلات الدستورية، حتى عرض رئيس المجلس اقتراح تصويت المجلس على اللاءات الثلاثة لتفسير هذا المصطلح بالمضبطة، وهي:

- لا دينية ثيوقراطية.

- لا عسكرية بوليسية.

- لا علمانية.

ووافق المجلس بأغلبيةٍ ساحقةٍ، فأعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور الموافقة.

التكييف القانوني للتصويت على اللاءات الثلاثة:

يمكن تكييف هذا الحدث بأنه اقتراح بقرارٍ طبقًا لنص المادة رقم 424 مِن اللائحة الداخلية لمجلس النواب الصادرة بالقانون رقم 1 لسنة 2016، والتي نصت على أن: "لكل عضو أن يقدِّم اقتراحًا بقرارٍ يرغب في أن يصدره المجلس في نطاق اختصاصه... ".

ونصت المادة رقم: 7 على أن: "يُراعي رئيس المجلس مطابقة أعمال المجلس لأحكام الدستور والقانون، وهذه اللائحة... ".

كما نصت المادة رقم: 318 على أن "لا يُطرح أي اقتراح لأخذ الرأي عليه إلا مِن رئيس المجلس... ".

ونصت المادة رقم: 332 على أن: "تُحرِر الأمانة لكل جلسة مضبطة يُدون بها تفصيلًا جميع إجراءات الجلسة، وما عُرِض فيها من موضوعات وما دار من مناقشات، وما صدر من قراراتٍ، وأسماء الأعضاء الذين أبدوا الرأي في كل اقتراح بالنداء بالاسم ورأي كل منهم".

ونصت المادة رقم: 335 على أن: "... يوقع على المضبطة مِن رئيس المجلس، والأمين العام بعد التصديق من المجلس عليها، وتحفظ بسجلات المجلس، وتنشر في ملحقٍ خاصٍّ للجريدة الرسمية".

التفسير القضائي للحدث:

نصت المادة رقم 101 مِن الدستور على أن: "يتولى مجلس النواب سلطة التشريع... وذلك كله على النحو المبين في الدستور".

كما نصت المادة رقم: 192 على أن: "تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين، واللوائح، وتفسير النصوص التشريعية... ".

ونصت المادة رقم: 26 مِن القانون رقم 48 لسنة 1979 بشأن المحكمة الدستورية العليا على أن: "تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة مِن السلطة التشريعية، والقرارات بقوانين الصادرة مِن رئيس الجمهورية وفقًا لأحكام الدستور؛ وذلك إذا أثارت خلافًا في التطبيق، وكان لها مِن الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرها".

كما نصت المادة رقم: 33 على أن: "يُقدم طلب التفسير مِن وزير العدل بناءً على طلب رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الشعب أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية. ويجب أن يُبين في طلب التفسير النص التشريعي المطلوب تفسيره وما أثاره مِن خلاف في التطبيق ومدى أهميته التي تستدعى تفسيره تحقيقاً لوحدة تطبيقه".

تعقيب:

الأصل أن النص الصريح الواضح لا مجال لتفسيره، وليس على القاضي إلا أن يُطبقه دون تغيير معناه، أو مخالفة الحكم الذي ينص عليه.

وإذا كان النص بخلاف ذلك؛ فإن طرق ووسائل التفسير على قسمين:

الأول: طرق التفسير الداخلية للنص، ومِن أهمها: الاستنتاج بطريق القياس، والاستنتاج مِن باب أولى، والاستنتاج بمفهوم المخالفة.

الثاني: طرق التفسير الخارجية، وأهمها: حكمة القانون وغايته، والأعمال التحضيرية، والمصادر أو السوابق التاريخية.

(الطعن رقم 2324 لسنة 72 ق، جلسة 11 أكتوبر 2004 إيجارات، وفتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة رقم 909 بتاريخ 23 أكتوبر 2016 - جلسة 5 سبتمبر 2016 - ملف رقم 47 / 1 / 302، ورقم 1223 بتاريخ 21 ديسمبر 2016 - جلسة 30 نوفمبر 2016 - ملف 58 / 3 / 384).

تكامل نصوص الدستور:

نصت المادة رقم: 227 مِن الدستور على أن: "يُشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجًا مترابطًا، وكلًّا لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه في وحدة عضوية متماسكة".

وقد أكَّدت المحكمة الدستورية العليا على أنه: "مِن المقرر -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أن نصوص الدستور لا تتعارض أو تتهادم أو تتنافر فيما بينها، ولكنها تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنتظمها مِن خلال التوفيق بين مجموع أحكامها، وربطها بالقيم العليا التي تؤمن بها الجماعة في مراحل تطورها المختلفة.

الصفحة التالية