مدنية الدولة في التعديلات الدستورية 2019م
طلعت مرزوق • قضايا معاصرة
ويتعين دومًا أن يُعتد بهذه النصوص بوصفها متآلفة فيما بينها، لا تتماحى أو تتآكل، بل تتجانس معانيها وتتضافر توجهاتها، ولا محل بالتالي لقالة إلغاء بعضها البعض بقدر تصادمها؛ ذلك أن إنفاذ الوثيقة الدستورية وفرض أحكامها على المخاطبين بها، يفترض العمل بها في مجموعها، باعتبار أن لكل نصٍّ منها مضمونًا ذاتيًّا لا ينعزل به عن غيره مِن النصوص أو ينافيها أو يسقطها، بل يقوم جوارها متساندًا معها، مقيداً بالأغراض النهائية والمقاصد الكلية التي تجمعها".
(القضية رقم 15 لسنة 18 ق دستورية - جلسة 2 يناير 1999).
التعارض بين نصوص الدستور:
استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن نصوص الدستور، ومدى تنافر بعضها البعض، أو تقدير مدى انطباقها، يخرج عن نطاق الرقابة على دستورية القوانين، ومِن ثَمَّ فقد جعلت المحكمة الدستورية العليا تفسيرها لمفهوم القوانين قيدًا مِن قيود الرقابة، بحيث إذا كان التعارض بين نصين، ولم يكن أحدهما نصًّا دستوريًّا والآخر تشريعيًّا "قانون أو لائحة"؛ امتنع عليها الرقابة.
(القضية رقم 23 لسنة 15 ق دستورية - جلسة 5 فبراير 1994، القضية رقم 76 لسنة 29 ق دستورية - جلسة 1 أكتوبر 2007).
تعقيب:
بناءً على ما سبق، فإذا كان النص واضحًا للقاضي الذي يقوم بالتفسير القضائي، فلا يمكن أن يتصوره إلا مِن خلال المادة الثانية: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
والثالثة: "مبادئ شرائع المصريين مِن المسيحيين واليهود، المصدر الرئيسي للتشريعات المُنظِمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية".
والسابعة: "الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه. وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء".
والعاشرة: "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها".
والرابعة والعشرين: "اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بكل مراحله مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي الحكومي والخاص، وتعمل الجامعات على تدريس حقوق الإنسان والقيم والأخلاق المهنية للتخصصات العلمية المختلفة".
التفسير غير المباشر للدستور:
تقدم الرقابة على دستورية القوانين واللوائح الصورة التقليدية لتفسير الدستور، فهي تتيح للمحكمة الدستورية -أو الجهة المختصة بحسب الأحوال- فرصة إنزال حكم الدستور على النص المعروض عليها، بما يسمح بالكشف عن مضمون نصوصه، وتحديد مرادها، وتبصرة المخاطبين بأحكام النص الدستوري بحقوقهم وواجباتهم التي تضمنتها نصوصه، ومِن ثَمَّ فهي تقدم أحد وسائل تفسير نصوص الدستور، وإن كانت وسيلة غير مباشرة.
بيد أن المقصود بإعمال الرقابة الدستورية هنا ليس تفسير النص الدستوري في ذاته لتحديد دلالة فنية له، وإنما المقصود هو إنزال حكم الدستور على النص التشريعي المطروح على المحكمة، ليكون أثر ذلك هو تحديد دستوريته في ضوء أحكام الدستور وليس تحديد دلالة النص الدستوري في ذاته.
وحيث إن الأصل في النصوص التشريعية، هو ألا تُحمل على غير مقاصدها، وألا تفسر عباراتها بما يخرجها عن معناها، أو بما يؤول إلى الالتواء بها عن سياقها، أو يعتبر تشويهًا لها؛ سواء بفصلها عن موضوعها أو بمجاوزتها الأغراض المقصودة منها؛ ذلك أن المعاني التي تدل عليها هذه النصوص والتي ينبغي الوقوف عندها، هي تلك التي تعتبر كاشفة عن حقيقة محتواها، مفصحة عما قصده المشرع منها، مبينة عن حقيقة وجهته وغايته من إيرادها، ملقية الضوء على ما عناه بها، ومرد ذلك أن النصوص التشريعية لا تصاغ في الفراغ، ولا يجوز انتزاعها مِن واقعها محددًا بمراعاة المصلحة المقصود منها، وهي بعد مصلحة اجتماعية يتعين أن تدور هذه النصوص في فلكها، ويفترض دومًا أن المشرع رمى إلى بلوغها متخذًا مِن صياغته للنصوص التشريعية سبيلًا إليها، ومِن ثَمَّ تكون هذه المصلحة الاجتماعية غاية نهائية لكل نص تشريعي، وإطارًا لتحديد معناه؛ وموطنًا لضمان الوحدة العضوية للنصوص التي ينتظمها العمل التشريعي، بما يزيل التعارض بين أجزائها، ويكفل اتصال أحكامها وتكاملها وترابطها فيما بينها، لتعدو جميعها منصرفة إلى الوجهة عينها التي ابتغاها المشرع من وراء تقريرها .
(القضية رقم: 1 لسنة 15 قضائية "تفسير" جلسة 30 يناير 1993).
وحيث إن الأصل في النصوص الدستورية أنها تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل مِن أحكامها نسيجًا متآلفًا متماسكًا، بما مؤداه أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالًا لا يعزلها عن بعضها البعض، وإنما يقيم منها في مجموعها ذلك البنيان الذي يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم مصالحها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يجوز بالتالي أن تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها، ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة في الفراغ أو باعتبارها قيما مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعي.
(القضية رقم 76 لسنة 29 قضائية " دستورية " جلسة الأول من أكتوبر سنة 2007).
فإن القاضي الدستوري لا يجعل من نفسه مشرعًا موازيًا للسلطة التشريعية عند قيامه بالتفسير كونه ملزمًا بأن يجري تفسيره للنصوص القانونية في ضوء إرادة المشرع من خلال تحديد مضمون ونطاق القاعدة محل التنازع في إطار الرقابة الدستورية، وفي سبيل عقد المقارنة بين القاعدة محل التفسير والقاعدة الدستورية.