الفساد (9)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
مِن فساد الكبار
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيُعد الفساد لدى فئات المجتمع الغنية مِن رجال المال والأعمال هو فساد الكبار مِن جهة تكلفته التي تصل إلى ملياراتٍ كثيرةٍ مِن الجنيهات، وهو الفساد الذي استشرى في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، مما أهدر مِن إيرادات الدولة عبر عقود حكم مبارك مئات المليارات مِن الجنيهات كان الشعب المصري في أمس الحاجة إليها.
ومِن أمثلة ذلك:
في قطاع الأراضي والمقاولات والتشييد:
تكلفت الدولة لبناء البنية التحتية من طرق وكباري، ومحطات كهرباء، ومياه وصرف صحي، وبناء مستشفيات وسنترالات هاتفية في الفترة من 1982 م إلى 2004 م نحو 400 مليار جنيه، وقد ارتبط ذلك بشبكةٍ مِن الموردين والمقاولين بلغ عدد المسجلين منهم في نهاية عام 2004م نحو 49 ألف مقاول ومورد.
يقول الأستاذ والخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق: "وقد انتشر في هذا القطاع نظام معين لإسناد المناقصات وفتح المظاريف يقوم على حصول القائمين عليه على نسبٍ محددةٍ مِن قيمة كل عطاء أو عملية في صورة عمولات تتراوح بين 5 % و10 % تذهب إلى دائرة ضيقة مِن متخذي القرار بدءًا مِن بعض أعضاء لجان البت وانتهاء بالوزير المسئول، وتكونت على إثرها شبكات سرية لإدارة هذه العمليات اعتمدت على المعاونين أحيانًا أو الأقرباء وأزواج الشقيقات، ومن خلال فتح مكاتب استشارية وهندسية وغيرها تقوم بعملية إدارة القنوات السرية بين الراشين والمرتشين في هذا القطاع الخطير.
ووفقًا لنسب العمولات التي أشرنا إليها فإننا بصدد عمولات تتراوح بين 20 مليار و40 مليار جنيه خلال تلك الفترة وحدها (1982- 2004)، أي إننا بصدد ما يعادل متوسط سنوي يتراوح بين مليار جنيه وملياري جنيه ذهبت إلى جيوب عدد لا يزيد على عشرة آلاف شخص هم أعداد تلك الدائرة الضيقة ذات العلاقة بهذا النشاط الاستثماري" (اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين 1974 م - 2010م، ط. مكتبة الأسرة 2010 م، ص: 42-43) .
وقال: "وبحلول عام 2010 كان حجم ما جرى إنفاقه على البنية الأساسية قد تجاوز500 مليار جنيه".
وبالنسبة لعمليات بيع وتخصيص أراضي وأملاك الدولة في هذه الفترة فقد سادها فساد كبير وغموض، وانكشف بعضها من خلال قضايا وحملات بعض الصحفيين، كتخصيص عشر قطع من الأراضي بمدينة القاهرة الجديدة عام 2007 م تزيد مساحتها على 45 ألف متر مربع مقابل مبالغ زهيدة لا تتعدى 20 مليون جنيه سدد منها 5 ملايين فقط، ثم بعد شهور تكشف القيام ببيعها في السوق بالمخالفة للتخصيص المخصصة له مما يؤدي لضياع حوالي 90 مليون جنيه، كان مقدر لها أن تذهب إلى مَن خصصت له بموافقة الحكومة (وزير الإسكان) والمحيطين به مِن السماسرة ورجال الوزارة.
وفي عام 2003 م حصلت شركة "المقاولون العرب" على أراضٍ مخصصة لأغراض المنفعة الاجتماعية -كإقامة تجمعات سكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل- في طريق القاهرة - السويس مساحتها حوالي 11 ألف فدان (حوالي 4.5 مليون متر مربع) مقابل 60 جنيه للمتر (أي بإجمالي: حوالي 270 مليون جنيه)، ثم قامت الشركة في عام 2007م بإعلان طرحها للبيع في مزايدة عامة بسعرٍ اقترب مِن 11 مليار جنيه!
وفي صفقة أراضي مشروع (مدينتي) وصاحبها مقاول معروف مشهور حصل على حوالي 33 مليون متر مربع مقابل 50 جنيه للمتر مع التسديد الميسر لثمنها، بما يعني ضياع أكثر من 17 مليار جنيه على الأقل على خزانة الدولة ذهبت لصالح رجل الأعمال صاحب المشروع ومَن شاركه من رجال الحكم والإدارة وقيادات في السلطة التنفيذية ووزارة الإسكان (راجع اقتصاديات الفساد، ص 43) .
وقال الأستاذ عبد الخالق فاروق: "وتقدر حجم الأراضي التي تصرف فيها السيد محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية منذ توليه منصبه الوزاري حتى خروجه منه عام 2004 م بحوالي 500 مليون متر مربع، كما يقدر حجم الأموال التي ضاعت على الدولة وخزنتها العامة بسبب سوء تخصيص هذه الأراضي طول الفترة الممتدة من عام 1994 م حتى عام 2007 م بأكثر من 150 مليار جنيه (بمتوسط فقد 250 جنيها للمتر المربع الواحد)، ذهبت إلى جيوب السماسرة ورجال المال والأعمال المرتبطين بالدولة، وحصلوا على هذه الأراضي بمبالغ زهيدة ثم قاموا بتسقيع تلك الأراضي -التي كانت بعضها مخصصًا لأغراضٍ صناعيةٍ أو سكنية اجتماعية- وبيعها بأسعار السوق فحققوا مِن ورائها أرباحًا خيالية" (راجع اقتصاديات الفساد: ص 45) .
في قطاع الاستيراد والتصدير:
مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1974 م ظهر النشاط الاستيرادي وازداد، وارتبط به فساد كبير، شاركت فيها دوائر مصرفية لتمويل الاستيراد والتصدير للقطاع الخاص، من خلال شبكة كبيرة من الوسطاء والسماسرة لتسهيل دخول وخروج البضائع من المنافذ الجمركية والمواني شارك فيها أحيانًا بعض المسئولين والوزراء، وقد اتسعت تلك الدائرة لتشمل أبناء أكبر مسئول في الدولة خاصة بعد فرض الحصار على ليبيا والعراق في مطلع التسعينيات، حيث تولى هؤلاء إدارة شبكة سرية واسعة لتهريب البضائع والتوريدات إلى هاتين الدولتين عبر التوقيع على صفقات بأسمائهم أو بأسماء شركاتهم التي أقاموها في عواصم أوروبية.
وقد قدر حجم واردات مصر التي تعاقد عليها القطاع الخاص وحده من خلال عام 1982 م إلى عام 2004م بأكثر من 80 مليار دولار (حوالي 250 مليار جنيه مصري بسعر وقتها)، وتقدر النسبة المتوسطة المعروفة للعمولة لتلك الصفقات بين 1 % إلى 2.5 % فيكون لدينا اقتصاد خفي غير رسمي يقدر بين 800 دولار إلى 2 مليار دولار، أي بمتوسط سنوي حوالي 300 مليون جنيه مصري.
تجارة المخدرات: