الفساد (9)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
رغم قدم تجارة المخدرات في مصر، لكنها ازدادت بصورة كبيرة في الثمانينيات، ويقدر حجم التجارة في المخدرات ما بين 10- 15 مليار جنيه سنويًّا! ينفقها ما يزيد عن مليون مدمن معظمهم في سن الشباب، بمتوسط إنفاق ما بين 10 - 15 ألف جنيه سنويًّا للمدمن الواحد، ويتولى ترويجها شبكات من المهربين والموزعين يزيد عددهم عن 150 ألف شخص، وهذه الشبكات لها علاقات بالعديد من المسئولين، وتم بالفعل اكتشاف وجود نواب في مجلس الشعب أطلق عليهم: "نواب المخدرات" وقيادات مِن الحزب الوطني الحاكم السابق لهم علاقة بشبكات تجارة وزراعة المخدرات، ظلوا لسنواتٍ في حمايةٍ مِن بعض رجال النظام مقابل تبرعاتهم الهائلة للحزب الحاكم وما يقدمونه مِن رشوةٍ بمبالغ كبيرة للمسئولين.
التجارة السرية في العملات الأجنبية:
سمح نظام مبارك قانونيًّا في عام 1994م بإنشاء مكاتب للصيارفة، وكانت التجارة في العملات الأجنبية ممنوعة قانونيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا، ولكن شهدت الفترة من عام 1984 م إلى عام 1994م حجم تجارة في العملات الأجنبية بأكثر مِن 8 مليار جنيه مصريًّا سنويًّا، وقد لعبت مكاتب الصيارفة دورًا كبيرًا في المضاربة على سعر صرف الجنيه المصري والتلاعب بالحصيلة؛ مما أدَّى إلى انهيار قيمة سعر صرف الجنية المصري أمام الدولار طوال الفترة من 1994 م إلى 1998م، مما دفع الحكومة المصرية إلى التضييق القانوني والبوليسي على أنشطة هذه المكاتب، حتى اضطر الكثيرون من أصحابها إلى إغلاقها؛ مما أدَّى إلى التقليل من حمى المضاربة على الجنيه المصري فاستقر سعره لعامين كاملين، وبحلول عام 2001م تم إغلاق معظم هذه المكاتب، ولكن ظلت تجارة العملات الأجنبية السرية منتعشة وفي ازدياد، بحجم تجارة تقدر بمليارات من الجنيهات سنويًّا ذهبت إلى جيوب المضاربين في العملات في السوق السوداء.
فساد قطاع البترول والغاز الطبيعي:
يقول الأستاذ عبد الخالق فاروق عن فترة نظام مبارك: "يمثِّل ما يجري في قطاع الطاقة عمومًا -والنفط خصوصًا- وقائع فساد مروعة بدءًا مِن نمط اتفاقيات البحث والتنقيب مرورًا باتفاقيات ومزادات التسويق والتوزيع، انتهاء بالتسعير. ويدور الفساد في هذا القطاع منذ منتصف عقد السبعينيات، حينما ترك الأمر بيد الوزراء المتعاقبين دون رقابة حقيقية"، "ويقدر حجم ما جرى إهداره من الغاز الطبيعي وحده بسبب سياسات التسعير المشكوك في مقاصدها، سواء مع الكيان الصهيوني أو فرنسا أو أسبانيا وإيطاليا خلال السنوات الثماني الممتدة من عام 2002 م حتى عام 2010 م بحوالي 4 إلى 5 مليارات دولار سنويًّا مثلت ما يشبه الدعم من الاقتصاد المصري إلى اقتصاديات هذه الدول!"، "فما بالك بالخصومات التي تمنحها سرًّا لعملائها في مجال النفط الخام، ولم يكن ذلك بالطبع نتيجة الغفلة أو عدم الإدراك بأوضاع السوق العالمية لهذه المادة الحيوية، وإنما كان نتيجة تواطؤ وشبه فساد لا تخطئها العين المتفحصة، ناهيك عن العين الخبيرة والمتخصصة" (اقتصاديات الفساد، ص53- 54) .
وقد كشفت قضية رجل الأعمال "حسين سالم" بعد ثورة 25 يناير 2011م عن حجم الفساد في هذا القطاع في عهد مبارك على حساب المصالح الوطنية العليا لمصر كدولةٍ وشعبٍ.
فساد البنوك وديون رجال الأعمال:
مع ازدياد حركة التجارة والاستثمار بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات ازدادت القروض الممنوحة من البنوك للقطاع الخاص بصورة كبيرة حتى بلغت بنهاية عام 2003 م نحو 200 مليار جنيه، بما يشكل 75 % من إجمالي الائتمان الممنوح من البنوك العاملة في البلاد، كما زاد عدد البنوك العاملة في مصر من 10 بنوك إلى 90 بنكًا، وطبقًا للتقرير الصادر عن الجهاز المركزي للمحاسبات عن نتائج الرقابة المالية وتقويم أداء وحدات القطاع المصرفي الحكومي عن السنة المالية المنتهية في آخر يونيو عام 2006م يتبين أن:
- 94 عميلًا للبنوك الحكومية قد حصلوا وحدهم على أكثر مِن نصف حجم القروض والائتمان الممنوح من البنوك حتى نهاية يونيو 2006م، أي أكثر مِن 125 مليار جنيه!
- 25 عميلًا قد حصلوا من البنك الأهلي المصري على 40% من القروض الممنوحة لكل قطاعات الأعمال العامة والخاصة حتى ذلك التاريخ، بنحو 45 مليار جنيه، وتبيَّن أن مِن بين هؤلاء رجل أعمال حصل على قرض بأكثر من 2 مليار جنيه بضمان قطعة أرض حصل عليها من الحكومة المصرية لإقامة مدينة سكنية وفيلات ومدينة ملاهي لم يسدد منها شيئًا.
- 28 عميلًا قد حصلوا على 54% من إجمالي قروض بنك مصر بما يزيد عن 22 مليار جنيه.
- 26 عميلًا قد حصلوا على 60% من إجمالي قروض بنك القاهرة، بما يساوي 3 و17 مليار جنيه، وأن 14 عميلًا قد تعثروا في سداد قروض بحوالي 5و13 مليار جنيه وهرب بعضهم إلى خارج مصر، مما جعل البنك يكاد يصل إلى حد الإفلاس.
- 15 عميلًا قد حصلوا على 43% من إجمالي قروض بنك الإسكندرية، بمبالغ تقدر بحوالي 4.3 مليار جنيه، وأن البنك أدار محفظته المالية بصورة رديئة وفاسدة، وقد جرى خصخصة 80% من أسهم البنك وبيعه إلى بنك إيطالي في عام 2006 م.
وقد ارتبط هذا التوسع بقلة أخذ البنوك للضمانات المطلوبة وفقًا للأعراف المصرفية المعروفة (المحترمة)، وصاحب ذلك ظهور قنوات سرية للحصول على نسب من قيمة القرض من هذه القروض الكبرى كعمولاتٍ شخصيةٍ، وامتد الفساد إلى مشاركة عددٍ مِن الوزراء وكبار المسئولين في هذه العمليات الفاسدة، وأعقب ذلك بداية انهيار بالنظام المصرفي في أعقاب هروب بعض كبار المقترضين إلى خارج مصر مما تسبب في ضياع نحو 40 مليار جنيه على الدولة، وزاد الأمر سوءًا توقف الكثير مِن العملاء عن تسديد ديونهم لدى البنوك، إذ كان منهم مَن يطمع بذلك في إحراج الحكومة وإجبارها على تخفيف ديونهم أو إلغاء الفوائد المحسوبة عليهم.