شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (9)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

يقول الأستاذ عبد الخالق فاروق: "فإذا قدرنا أن نحو 10% من إجمالي عمليات الائتمان للقطاع الخاص والبالغة 200 مليار جنيه قد تمت وفقًا لممارسات الفساد، أي نحو 20 مليون جنيه، وجرى الحصول على عمولات مقابل منح هذه القروض دون إعمال القواعد المصرفية الخاصة بضرورة وجود ضمانات لتلك القروض، فإننا نكون بصدد أكثر مِن 2 مليار جنيه ذهبت على مدى الربع قرن الماضي في صورة عمولات إلى جيوب كبار رجال البنوك وبعض موظفي إدارات الائتمان، وهؤلاء دائرة ضيقة لا يزيدون على عدة مئات قليلة من الأفراد، أي أننا بصدد متوسط سنوي يزيد على 100 مليون جنيه في الاقتصاد الخفي" (اقتصاديات الفساد، ص 51، ط 2012 م) .

تم ذلك مع القطاع الخاص بينما كان هناك التضييق المنظم على شركات القطاع العام مصرفيًّا وائتمانيًّا، فحينما طالبت الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج توفير150 مليون دولار من أجل تطوير الشركة لم تمنح فعليًّا سوى 20 مليون دولار على مدى عدة سنوات، كما تبيَّن أن البنك الأهلي المصري متهرب من سداد ضرائب قدرها 929 مليون جنيه في العام المالي 2005/ 2006 م.

بيع شركات القطاع العام (الخصخصة):

يعد بيع شركات القطاع العام في مصر من أكبر جرائم نظام مبارك، وقد بدأ التفكير في ذلك منذ عام 1991م باستقدام شركات ومكاتب من أوروبا وأمريكا ومشاركة بعض الخبراء المصريين وأساتذة الاقتصاد وإدارة الأعمال والمحاسبة لتقييم أصول 380 شركة من شركات القطاع العام، وتم تقدير هذه الشركات من خلال آلاتها ومعداتها القديمة وما تملكه من أراضي وعقارات ومعدلات إنتاجها وربحيتها ومستوى جودة وتسويق منتجاتها وحجم العمالة فيها وخبراتهم، وجاء التقييم على أن القيمة السوقية لهذه الأصول وممتلكاتها تقدر ما بين 300 إلى 500 مليار جنيه، وخلال 17 عام من البيع والخصخصة جاء تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات أنه تم بيع 194 شركة من هذه الشركات بنحو 1و50 مليار جنيه، أي بيع أكثر من نصف الشركات المعروضة وبأقل من نصف قيمتها المقدرة، بما يعنى إهدار ما يزيد عن 100 مليار جنيه ذهبت إلى دهاليز الفساد، حيث وزعت كعمولات لكبار رجال الدولة وأبنائهم ورجال البورصة ورؤساء الشركات، وهو ما وصفه تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات بأن: "بيع الأصول المملوكة للدولة كان يتم بأقل من قيمتها الحقيقية مما يمثِّل إهدارًا للمال العام!".

وقد تم ذلك النهب من خلال عدة أوجه:

1- تقييم الأصول الإنتاجية والممتلكات بما فيها الأراضي والعقارات بأقل من قيمتها السوقية.

2- تمويل الكثير من عمليات شراء هذه الشركات من خلال قروض من البنوك.

3- تسقيع الأراضي والعقارات المملوكة لهذه الشركات بتركها لفترة ثم إعادة عرضها للبيع بعد ارتفاع أسعارها.

ومِن أمثلة هذه الخصخصة: بيع الشركة المصرية لمعدات التليفونات والتي أنشأت عام 1960 م وبلغت أرباحها وقت بيعها عام 1999م حوالي 30 مليون جنيه، وقد اشتراها مستثمر عربي بمبلغ 91 مليون جنيه، سدد منها 27 مليون جنيه فقط، وتم تقسيط الباقي على عدة فترات زمنية، وتلا ذلك منح المشتري أمر توريد مباشر لمعدات التليفونات من الشركة المصرية للاتصالات، وهي شركة حكومية أخرى بمبلغ 1900 مليون جنيه لمدة خمس سنوات حققت للمشتري أرباحًا قُدرت بحوالي 700 مليون جنيه، كما قام المشتري بإنشاء شركة أخرى في مدينة السادس من أكتوبر معفاة من الضرائب ومتمتعة بمزايا قانون الاستثمار الأجنبي، بينما كان المشتري يقوم بالاقتراض من البنوك على حساب الشركة القديمة المخصخصة.

وبعد مدة مِن تعثر الشركة القديمة عمد المشتري إلى بيع الأراضي الهائلة المملوكة لها بموقعها المتميز على نهر النيل ليحصل على ملايين مِن الجنيهات الإضافية، والمحصلة: إغلاق الشركة بعد تحقيق غرض المشتري منها، إلى جانب تشريد عمالها. (راجع: اقتصاديات الفساد، ص 47 - 49) .

عمولات التجارة في السلاح:

ومعلوم أن تجارة السلاح تجارة رائجة عالميًّا، وتتم عملياتها بسرية تامة، ويمارسها ويشرف عليها أعداد محدودة مِن كبار الأفراد والمسئولين في نظام الحكم أو سابقين كانوا فيه ولهم دراية بها.

وقد تعلقت تجارة السلاح في عهد مبارك بنوعين من الصفقات:

- صفقات السلاح الأمريكي والأوروبي: وهي صفقات تتعلق بالمعونات العسكرية الأمريكية الممنوحة لمصر، والتي بدأت منذ اتفاق السلام مع إسرائيل عام 1979م، وتقدر بنحو 900 - 1200 مليون دولار سنويًّا، وقد بلغ إجمالي هذه المعونات حتى عام 2010 م نحو 35 مليار دولار، وهذه الصفقات كانت تقدم فيها الشركات الأمريكية خلال هذه الفترة عمولات لعدد محدود جدًّا من كبار المسئولين عن الاعتماد والتوقيع بنسبة من 5و0 % إلى 5 % من قيمة كل صفقة (راجع في ذلك: اقتصاديات الفساد، ص 52 - 53) .

- صفقات السلاح التي يقوم بها أفراد مصريون لصالح جهات أجنبية ولمناطق توتر في إفريقيا وفي العراق وفلسطين وغيرها، وقد أفاد وزير الإنتاج الحربي د. سيد مشعل في تصريح له إلى (جريدة المصري) في 16/ 9/ 2010م أن قيمة إنتاج المصانع الحربية المصرية قدرها حوالي 6 مليارات جنيه منها 4 مليارات في صورة منتجات حربية والباقي منتجات مدنية، وهذه المنتجات الحربية تأخذ القوات المسلحة المصرية منها ما تأخذ من أسلحة وذخائر، ويتم بيع ما زاد في سوق السلاح العالمي عبر صفقات تولاها أفراد وسماسرة مصريون وأجانب على صلةٍ وثيقةٍ بكبار أجهزة الدولة، وقد قدرت أرباح تجارة السلاح المصري وقتها بنحو 300 مليون جنيه سنويًّا (راجع اقتصاديات الفساد، ص 52 - 53) .

الصفحة السابقة