الفساد (10)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الاقتصاد الموازي (الباب الخلفي للفساد)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالاقتصاد الموازي ظاهرة منتشرة في كل أنحاء العالم، لكنها تتفاوت تفاوتًا كبيرًا، حيث توجد بنسبٍ كبيرةٍ في الدول النامية في إفريقيا وآسيا، وبنسبٍ أقل في الدول المتقدمة في أوروبا والأمريكيتين، ولكن في الجملة لا تخلو منها دولة مِن الدول، ونظرًا لنتائج هذه الظاهرة الاقتصادية السيئة، فينبغي دراسة أسبابها ومعرفة نتائجها، ومحاولة الوصول إلى كيفية للتعامل معها؛ لمنع أو تقليل آثارها السلبية .
والمقصود بالاقتصاد الموازي: كافة المعاملات والأنشطة الاقتصادية التي يمارسها أفراد أو جماعات، وتدر عليهم دخلًا، ولكنها لا تُسجَّل ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث إنها تتم على هامش الاقتصاد الرسمي للتهرب مِن الالتزامات القانونية المرتبطة بتسجيلها، وهي بذلك أنشطة مخالفة للنظام القانوني السائد، سواء كانت أنشطة مشروعة أو غير مشروعة.
وهي ظاهرة قديمة، لكنها استفحلت فلفتت الأنظار إليها، فجاء ظهور مصطلحها مِن قِبَل (مكتب العمل الدولي) في عام 1972م باسم: (الاقتصاد غير الرسمي)، ثم مع تطور دراسة الظاهرة خلال عدة عقود تنوعت أسماؤها وتعددت حتى تجاوزت العشرين اسمًا، منها: "اقتصاد غير مصرح به - الاقتصاد الموازي - الاقتصاد الخفي - أو المخفي - أو غير الظاهر - أو السري - أو اقتصاد الظل - أو الاقتصاد المغمور - أو غير المنظور - أو غير المرئي - الاقتصاد الثانوي - أو الثنائي - أو البديل - الاقتصاد الباطني - أو النفقي - أو الطرفي - أو الهامشي - اقتصاد لا نظامي - أو غير منظم - أو غير مشروع - أو اقتصاد عكسي - أو اقتصاد رمادي - أو أسود -إذا تضمن أنشطة اقتصادية مجرَّمة: كالتجارة في المخدرات-".
أسباب الاقتصاد الموازي :
يرجع نمو وانتشار (الاقتصاد الموازي)؛ لوجود خلل في هيكلة الاقتصاد الوطني نتيجة لأسبابٍ عديدة: اقتصادية وسياسية واجتماعية، تعتبر مقدمة إلى نشوء هذه الظاهرة؛ لذا يختلف نموها مِن دولةٍ لأخرى طبقًا لوجود وتأثير وتفاعل تلك الأسباب.
ومِن هذه الأسباب :
1- انخفاض مستوى الأجور والدخل: وهو مِن أهم الأسباب، فمع قلة الدخل وارتفاع الأسعار يجد الأفراد الذين يَعولون أُسرًا أنفسهم مضطرين إلى ممارسة هذا الاقتصاد الخفي والدخول فيه .
2- ارتفاع مستوى الضرائب: خاصة على الشرائح الصغيرة مِن المنتجين والحرفيين، فكلما تعرضت الأنشطة الاقتصادية إلى المزيد مِن أنواع الضرائب أو ارتفاع قيمتها زاد الدافع لدى الأفراد والجماعات إلى التحول نحو الاقتصاد الخفي للتهرب منها .
3- تعقيدات الأنظمة الإدارية وبيروقراطية القيود الحكومية المفروضة مِن المؤسسات الرسمية على الأنشطة الاقتصادية: مما يدفع أصحاب هذه الأنشطة إلى الهروب مِن هذه التعقيدات والقيود إلى الاقتصاد الخفي غير المسجل .
4- عجز الموازنة العامة للدولة: فزيادة النفقات العامة على الإيرادات العامة يترتب عليه الحاجة إلى تغطية هذه النفقات مِن مصادر داخلية أو خارجية؛ مما يؤدي إلى زيادة الأعباء المترتبة على كاهل الدولة، مما يساعد على نشوء ظاهرة الاقتصاد الخفي .
5- ضعف معدل النمو الاقتصادي: والذي يصحبه عادة عدم قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل للقادمين إلى سوق العمل، مما يدفعهم للعمل في مجالات الاقتصاد الخفي المتوفرة، حيث إنه ينبغي أن يكون معدل النمو الاقتصادي يعادل ثلاثة أمثال معدل النمو السكاني على الأقل، وألا يقل عن 7 % .
6- زيادة أعداد القادمين لسوق العمل: في ظل التزايد السكاني المتواصل وقلة فرص العمل بالخارج، وقلة الاستثمارات بالداخل، وتوقف التعيينات في الأعمال الحكومية والرسمية، وتزايد نسبة البطالة .
7- ارتفاع معدل الإعالة: بسبب كثرة أفراد الأسرة، وانخفاض مستوى الدخل، وارتفاع معدلات التضخم التي تؤدي إلى انخفاض قيمة الدخل الحقيقي، وبالتالي الحاجة إلى سد الفجوة بين الدخل والمصروفات الأساسية المطلوبة؛ مما يدفع المحتاج إلى العمل بالاقتصاد الخفي مع قلة فرص العمل الأخرى .
8- ندرة السلع الاستهلاكية عامة والسلع الأساسية خاصة: والتي يفترض أن تقوم الدولة بتوفيرها وحسن توزيعها من خلال قنوات توزيع متعارف عليها؛ لئلا يفتح الباب بسبب الفجوة بين العرض والطلب لمن يستغل الحاجة إليها في إيجاد سوق سوداء توفر هذه السلع لمن يحتاج إليها من خلال أنشطة سرية غير علنية يلجأ إليها الناس .
9- عدم مرونة وواقعية التشريعات الاقتصادية: حيث توجد علاقة طردية بين حجم الاقتصاد الخفي وعدم مرونة ومراعاة التشريعات الاقتصادية للواقع، فمثلًا: عدم مناسبة القوائم الموضوعة للاستيراد وللتصدير من خلال قوائم (سلبية) تزيد مِن منع الاستيراد أو التصدير بما لا يتمشى مع حاجة السوق الفعلية؛ مما يزيد من الاتجاه إلى الاقتصاد غير النظامي في صورة التهريب ونحوه .
10- حالة الركود الاقتصادي في المجتمع، فمثلًا :
أ- زيادة الهجرة من الريف إلى المدينة يؤدي إلى ظهور العشوائيات، وسوء تشغيل هذه العمالة القادمة .
ب- الرغبة في تشغيل صغار السن لضعف أجورهم، مما يؤدي إلى زيادة التسرب من التعليم، وزيادة التسرب يزيد من الحاجة إلى العمل في سوق الاقتصاد غير المعلن بعيًدا عن الرقابة الحكومية .
11- تنامي المشروعات الصغيرة: فطبيعة المشروعات الصغيرة تميل إلى استخدام النقود السائلة في تعاملاتها مما يسهل عملها في الخفاء، كما تميل إلى كثافة اليد العاملة نتيجة لعدم مواكبة التطورات التكنولوجية وعدم توافر رؤوس الأموال الكبيرة اللازمة للآلات الحديثة، مما يمهِّد للتهرب الضريبي، كما يؤدي التطبيق الصارم لنظام الضرائب على المشروعات الصغيرة إلى إفلاس العديد من هذه المشروعات .
خصائص الاقتصاد الموازي :
للاقتصاد الموازي مفاسد اقتصادية كبيرة بالمقارنة بالفساد الممكن وقوعه في النظم الاقتصادية العلنية الرسمية، ويمكن تصور أضرار ومظاهر الفساد الممكنة في الاقتصاد الخفي من خلال التعرف على خصائص الاقتصاد الموازي، ومنها :