مبدأ المساواة وعدم التمييز
طلعت مرزوق • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى على أن: "جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وُهِبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء".
ونصَّ في مادته الثانية على أن: "لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز مِن أي نوع".
وإذا كانت الدول تتحفظ على بعض ما يرد بالمواثيق الدولية مما يخالف دينها وعقيدتها، وكلٌ يؤخذ مِن قوله ويُترك، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالمساواة المقصودة هنا هي "العدل"، وليست المساواة المُطلقة، كالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث مثلًا .
التعريف بمبدأ المساواة وعدم التمييز:
يُقصد بمبدأ المساواة أمام القانون، خضوع كافة المراكز القانونية المتماثلة لمعاملة قانونية واحدة، على نحوٍ يتناسب بطريقة منطقية، وفقًا للهدف الذي توخاه القانون.
ويتحقق المبدأ بتقرير معاملة قانونية مختلفة للمراكز القانونية المختلفة، أو بسبب المصلحة العامة، إذا كان ذلك كله مُتفقًا مع الهدف الذي توخاه القانون.
وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر على أن المساواة كضمانٍ دستوري ليست مساواة حسابية، بل يملك المشرع بسلطته التقديرية، ولمقتضيات الصالح العام، وضع شروط موضوعية تتحدد بها المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون.
(القضية رقم 50 لسنة 21 ق دستورية - جلسة 12 مايو 2002، الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي - الدستور المصري فقهاً وقضاءً - دار المطبوعات الجامعية - طبعة 1996، الدكتور أحمد فتحي سرور - مبدأ المساواة في القضاء الدستوري - مجلة المحكمة الدستورية العليا - العدد الثاني - إبريل 2003).
ويرتكز مضمون المساواة على ثلاث ركائز:
- مساواة الجميع في المعاملة القانونية.
- دون أن تكون محض مساواة حسابية.
- مع إمكان التمييز في المعاملة وفقًا لأسبابٍ موضوعية منطقية.
ويُلاحظ أن المساواة في المعاملة القانونية التي تستند إلى الأسباب الموضوعية المنطقية التي تقوم عليها المراكز القانونية، تعنى أنها لا تتفق مع التحكم، فالتمييز المنهى عنه هو المعاملة التحكمية.
(القضية رقم 31 لسنة 17 ق دستورية - جلسة 2 يناير 1999، 195 لسنة 20 ق دستورية - جلسة الأول مِن يناير 2000).
وقد اعتنقت المحكمة الدستورية العليا في مصر ذات المعيار، بأن صور التمييز -وإن تعذر حصرها- هي وحدها التي يكون قوامها كل تفرقة، أو تقييد، أو استبعاد ينال بصورة تحكمية مِن الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور أو القانون، وقالت إن التمييز المخالف لمبدأ المساواة هو الذي يكون تحكميًّا، لا يستند إلى أسبابٍ موضوعيةٍ تبرره.
(القضية رقم 193 لسنة 19 ق دستورية - جلسة 6 مايو 2000).
وذلك باعتبار أن كل تنظيم تشريعي ليس مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها مِن ورائه، فإن صادم النص التشريعي بما انطوى عليه مِن التمييز هذه الأغراض كان تحكميًّا.
ويجب أن يعكس الهدف مِن القانون الذي يبرر التمييز في المعاملة حماية مصلحة مشروعة، وإلا كان التمييز منطوياً على إخلال بمبدأ المساواة.
وتتحدد المراكز القانونية إما بالنظر إلى الدستور، أو بالنظر إلى القانون؛ فقد يحدد الدستور بعض المراكز القانونية المختلفة، وينص في ذات الوقت على معاملة مختلفة لها عن سائر المراكز القانونية.
مثال ذلك في الدستور المصري: رئيس الجمهورية (المادة 145) وعضو مجلس النواب (المادة 109) والوزير (166)، فقد ميَّز الدستور بينهم وبين المواطنين فيما يتعلق بحق الملكية، وحق التعاقد.
وما دام الدستور قد حدد المراكز القانونية المختلفة، يكون قد وضع الشروط الموضوعية التي تتفق مع هذا الاختلاف، ويكون قد قرر لها المعاملة المختلفة لتحقيق مصلحة عامة تتفق مع الهدف الذي توخاه الدستور.
وقد يُحدد المشرع المراكز القانونية المختلفة التي يُقرر لها معاملة مختلفة، ومِن قبيل ذلك في مصر التمييز بين المستأجرين لغرض السكنى، وبين سواهم في صدد الإعفاءات مِن الضريبة العقارية.
أما عن معيار المصلحة العامة فقد قضت المحكمة الدستورية العليا بأن قصر التنظيم الخاص بدعوى الصلاحية على رجال السلطة القضائية دون غيرهم مِن المواطنين، قد اقتضته أغراض المصلحة العامة.
المساواة وعدم التمييز في الدستور المصري:
نص الدستور المصري في المادة رقم 53 على رفض كافة أشكال التمييز بين المواطنين، واعتبره جريمة يُعاقب عليها القانون -لم يصدر بعد- وألزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكاله، وأناط بالقانون -لم يصدر بعد- إنشاء مفوضية مُستقلة لهذا الغرض.
"المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العِرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سببٍ آخر.
التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون:
"تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظِّم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض".
كما نصت ديباجة الدستور على أن: "... نكتب دستورًا يحقق المساواة بيننا في الحقوق والواجبات دون أي تمييز".
ونص الدستور في الفقرة الأولى مِن المادة الأولى على أن مصر: "نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون".
وفي المادة الرابعة: "... ويصون وحدته الوطنية التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل، وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وذلك على الوجه المبين في الدستور".
وفي المادة التاسعة: "تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز".
وفي المادة 14: "الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة".
وفي المادة 19: "التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية... وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز".