شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (11)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الاقتصاد الخفي ما له وما عليه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيمثِّل الاقتصاد الخفي نسبًا عالية مِن الناتج الإجمالي في الدول النامية، حيث يشكِّل أكثر مِن 60% في بعض الدول الإفريقية، وما بين 40% و60% مِن عدد العاملين في الاقتصاد الرسمي في بعض الدول الآسيوية، بينما يقل في الدول المتقدمة، فهو في حدود 10% إلى 23% في إسبانيا، وفي فنلندا بين 2% إلى 4% .

وللاقتصاد الخفي أنواع عديدة، فبالنسبة لمشروعيته يمكن تقسيمه إلى :

1- اقتصاد خفي ذو أنشطة مشروعة :

كمَن يعمل في عمل رسمي، ويعمل أيضًا في عمل آخر إضافي مشروع، ولكن غير رسمي بعد -أو أثناء- وقت العمل الرسمي؛ مِن أجل زيادة دخله، وهذا يكون بنسبة مشاركة أكبر بين الحرفيين والعمال المهرة، ونسبة مشاركة أقل بين أصحاب الأعمال الكتابية في الإدارات الحكومية .

2- اقتصاد خفي ذو أنشطة غير مشروعة، ويتضمن :

أ- أنشطة غير مشروعة مجرَّمة جنائيًّا : وهي أنشطة يحاربها النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الدولة، وتتضمن :

1- أنشطة تهريب مجرمة: كما في تهريب المخدرات والخمور، والأغذية الفاسدة، وهي غالبًا تُنقل في عبوات صغيرة الحجم لا يمكن السيطرة على عملية تهريبها، حيث تتم مِن خلال مسالك ملتوية، وتتضمن هذه الأنشطة تهريب السلع مِن الخارج ومن المناطق الحرة إلى داخل البلاد .

2- أنشطة إنتاج مجرمة: كما في إنتاج المخدرات والخمور محليًّا، وتوزيع الحشيش والتزوير والاحتكار .

ب- أنشطة غير مشروعة مجرمة إداريًّا: كالدروس الخصوصية .

ويمكن تقسيم الاقتصاد الخفي من خلال عملياته المحدودة أو الموسعة إلى :

أ- اقتصاد خفي محلي على مستوى الدولة الواحدة .

ب- اقتصاد خفي إقليمي على مستوى عدة دول يضمها إقليم جغرافي واحد .

ج- اقتصاد خفي دولي على مستوى دول العالم المختلفة، خاصة مِن خلال تجارة المخدرات والأسلحة وعصابات المافيا وما شابهها .

الآثار الإيجابية للاقتصاد الخفي :

قد يبدو لأول وهلة أن الاقتصاد الخفي لا إيجابية له، ولكن الواقع يشير إلى بعض الآثار الإيجابية للاقتصاد الخفي مِن بعض الأوجه، ولكن في الجملة؛ فآثاره السلبية أكبر وأكثر، والأمر يختلف مِن دولة إلى أخرى، ومن نوع نشاط اقتصادي إلى آخر، ولا يخفى أن اللجوء إلى الاقتصاد الموازي هو صورة مِن صور التفاعل مع الأوضاع الاقتصادية، ورد فعل غير قانوني لخللٍ اقتصاديٍ موجود بالفعل في المجتمع .

ومِن هذه الآثار الإيجابية :

1- التقليل من الاختلال في النظام الاقتصادي وتشريعات؛ فلجوء الأفراد أو الجماعات لممارسة الاقتصاد الموازي غير العلني قد يكون لبعض الخلل في البنية الاقتصادية، فمثلًا :

أ- قلة الأجور والرواتب في الأعمال الحكومية الرسمية قد تلجئ الكثيرين إلى البحث عن عملٍ إضافيٍ غير رسمي؛ لتحسين الدخل وتلبية حاجة أسرهم الأساسية، خاصة في ظل التضخم الاقتصادي .

ب- وجود تشريعات وقوانين تتحكم في أنشطة الاستيراد والتصدير لا تناسب الواقع الفعلي ولا تتفق معه؛ مما يلجئ البعض إلى إدخال بضائع وسلع يحتاج الناس إليها بعيدًا عن منافذ الدولة المعتادة، مِن مواني ومرافئ، أو تهريب بعضها للخارج بعيدًا عن أعين الحكومة، أو استخدام الرشوة لتحقيق ذلك .

ج- عدم قيام الدولة بتوفير سلع أساسية أو عدم العدالة في توزيع هذه السلع -مع توافرها- عبر منافذ توزيع معروفة وكافية؛ مما يتسبب في ظهور سوق سوداء خفية لتوفير هذه السلع، وتحقيق الاكتفاء الذاتي بعيدًا عن رقابة الدولة .

د- صعوبة الحصول على بعض الخدمات أو سداد مستحقات أو تقديم أوراق مطلوبة أو استخراج أوراق يحتاج إليها من بعض الأماكن الحكومية للتكدس والازدحام مع قلة نوافذ التقديم أو البطء في أدائها؛ مما يلجئ البعض إلى التحايل عبر أبوابٍ وطرقٍ خلفية خفية عبر وسطاء، أو تقديم رشوة للحصول عليها بيسر وفي وقت قصير، وهي ظاهرة شائعة في مثل هذه الأماكن، بل لها في كل مكان منها شبكة مِن الموظفين والسماسرة يتولون تلبية هذه الخدمات في سهولة ويسر نظير أموال سرية غير علانية يأخذونها، واعتاد الناس على التعامل معها .

2- البعد عن البيروقراطية وأعبائها، وتجنب الإجراءات المعقدة أو الكثيرة الموجودة في الكثير من الأنشطة الاقتصادية الرسمية المعلنة، وهذا مما يزيد من التنافسية فيها .

3- البعد عن الإجراءات التنظيمية، وبالتالي التميز بكونها أكثر ديناميكية وقدرة على الاستجابة بسرعة للتغييرات التي تحدث في السوق مقارنة بالاقتصاد الرسمي .

4 - المساعدة في التقليل مِن البطالة بإيجاد فرص عمل للعاطلين، ولمَن لا مكان لهم في الاقتصاد الرسمي؛ خاصة لمَن لا يحملون شهادات دراسية أو من ذوي الاحتياجات الخاصة أو من المهاجرين والأجانب .

الآثار السلبية :

وهي كثيرة ومتنوعة، منها:

1- الآثار الاقتصادية :

أ- استفادة العاملين في الاقتصاد غير المسجل من البنية التحتية للدولة، ومِن كل الخدمات المقدمة مثله مثل القطاع الاقتصادي المسجل، مع عدم المساهمة نهائيًّا في تسديد الرسوم الحكومية واستخراج تصاريح وتحمل ضرائب، ونحو ذلك.

إن قطاع الاقتصاد الخفي الذي يشارك بنسبة كبيرة تصل في بعض الدول النامية لأكثر من 60% من الناتج الإجمالي تكون مساهمته في الرسوم والضرائب معدومة أو ضعيفة للغاية، وهذا يؤدي إلى زيادة الأعباء على الدولة وعلى العاملين المسجلين في الاقتصاد المسجل، ويؤدي إلى زيادة التهرب من الضرائب والرسوم من الممولين المسجلين في الاقتصاد الرسمي .

ب- زيادة حجم الاقتصاد غير الرسمي يؤدي إلى زيادة حجم الإنفاق العام، وبالتالي زيادة في الموازنات السنوية عامًا بعد عام، وبالتالي زيادة الحاجة إلى إيرادات جديدة خاصة من الضرائب والرسوم؛ مما يؤدي إلى ضغوط اقتصادية على العاملين في القطاع الرسمي، فعندما يتم التحصيل من كافة القطاعات يخف العبء الضريبي على العاملين في الدولة .

فسرقة التيار الكهربائي مثلًا تزيد من الفاقد في الكهرباء، وتزيد من معدل نمو استهلاك الكهرباء في الدولة دون وجود زيادة مسجلة في العائد أو الاستثمار، وكذلك زيادة استهلاك الماء وغيره .

الصفحة التالية