الفساد (11)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
والمراد به استخدام حيل ووسائل للتصرف في أموالٍ مكتسبةٍ بطرق غير مشروعة وغير قانونية، ثم استثمارها في أنشطة مباحة شرعًا وقانونًا لإخفاء مصدرها غير الشرعي للخروج من المساءلة القانونية، وبالتالي الإفلات مِن جهات المراقبة والجهات الأمنية.
وقد عرف المجلس الأوروبي غسيل الأموال بأنه: "تحويل الأموال غير الشرعية إلى أموال شرعية، أي: يُعاد استثمارها في قطاعات شرعية، أو استعمالها لأغراض شخصية". ويسمَّى أيضًا: (تبييض الأموال)، ويعرف بأنه: "وجود أموال قذرة يراد تنظيفها وتطهيرها"، أي: تبييضها.
التجارة في العملة :
والمراد بها: إيجاد سوق مصرفية سوداء يتم فيها صرف العملات الصعبة (الأجنبية) بعيدًا عن الخضوع لرقابة السلطات، ويكون السبب في رواج هذه السوق السوداء للعملات ما تفرضه السلطات النقدية من قيود على السوق الرسمية لصرف العملات مع زيادة الطلب على هذه العملات مع قلة المعروض منها؛ مما يوفر فرصة لازدهار أسواق صرف غير رسمية تعمل بصورة موازية لأسواق الصرف الرسمية .
العلاقة بين الاقتصاد العلني والاقتصاد الخفي :
- يتعايش الاقتصاد الخفي إلى جانب الاقتصاد الرسمي وموازيًا له، فأنشطته وأسواقه موازية لأنشطة وأسواق الاقتصاد الرسمي، وبينما يراعي الاقتصاد الرسمي قواعد وضوابط وشروط العمل ويؤدي ما عليه من التزامات واستحقاقات تجاه الدولة لا يراعي الاقتصاد الخفي شيئًا من ذلك؛ إذ ليس له دفاتر محاسبة، ولا يخضع للمراقبة؛ لكونه غير معلن رسميًّا .
- يستفيد أصحاب الاقتصاد الخفي من كل الخدمات التي توفرها البنية التحتية للدولة، ويستفيدون أيضًا في الخفاء من كل الموارد الأولية المحلية والطاقة الموجودة سواء بطرق قانونية أو غير قانونية .
- يحرص أصحاب الاقتصاد الخفي على إقامة علاقات بين أنشطتهم وأنشطة الاقتصاد الرسمي بغرض زيادة المكاسب والعوائد من أنشطتهم، والاستفادة من أنشطة الاقتصاد الرسمي ما أمكن، إلى جانب محاولة إظهار صفة القانونية على أنشطة وممارسات اقتصادهم غير القانوني، بنقل جزء من أنشطتهم وإظهارها في الاقتصاد المعلن، والاحتماء به، ومع تنامي هذه العلاقات يستطيع الاقتصاد الخفي السيطرة مع الوقت على الاقتصاد المعلن بإخضاعه أو إخضاع جزءٍ كبيرٍ منه لتوجيهات وأهداف أصحاب الاقتصاد الخفي.
وهذا التشابك في المصالح يسفر عن أنشطة خفية جديدة لا تزدهر إلا في هذا الوضع، بل وربما تتحول بعض الأنشطة الخفية إلى أحد المكونات للاقتصاد الرسمي أو عنصر من عناصر قوته! ويزيد الأمر سوءًا مساعدة بعض الإداريين في الاقتصاد الرسمي في تغذية أنشطة الاقتصاد الخفي وزيادتها في ظل غياب المواجهة الحاسمة والرادعة للاقتصاد الخفي .
- يزداد اللجوء إلى الاقتصاد الخفي مع زيادة القوانين والقواعد والصرامة في تطبيقها، ويتناقص الإقبال على الاقتصاد الخفي كلما كانت القواعد والقوانين أقل تعقيدًا وصرامة .
- عند المقارنة العملية بين الاقتصاد الرسمي والخفي يظهر الاقتصاد الخفي وكأنه أكثر مرونة في العمل، فممارسته تكون بعقود أو بغير عقود، وبدون حواجز وبدون مؤهلات، وبرأس مال فيه سيولة بعيدًا عن القروض الكبيرة وفوائدها وما يترتب عليها، وأجوره وإن كانت متأرجحة تكون أحيانًا أعلى من أجور الاقتصاد الرسمي التي تكون مع استقرارها وثباتها منخفضة عند المقارنة .
الفروق بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الخفي :
1- الهدف من القطاع الرسمي تحقيق أقصى ربح من خلال أنشطة كثيرة ورؤوس أموال كثيرة، مع الاستفادة من القروض الوطنية والأجنبية .
2- دخول القطاع الرسمي في السوق دخول مقنن ومنظم، ومنتجاته تخضع لمقاييس ومعايير، ولها علامات تجارية مسجلة ومعروفة .
3- القطاع الرسمي يخضع لقوانين العمل وتشريعاته، وعقوده مستقرة ثابتة، وللعاملين فيه تأمينات ومعاشات، ولهم نقابات تمثلهم وتحمي حقوقهم وتراعي حل مشاكلهم .
4- القطاع الرسمي عصري متطور يستخدم التكنولوجيا الحديثة على نطاقٍ واسعٍ، ويتمتع العاملون به بالتدريب الجيد والمهارة في العمل، وكثافة العمالة قليلة نسبيًّا .
بينما الاقتصاد الخفي: تتم أنشطته غالبًا من خلال وحدات صغيرة متنوعة محدودة، تبدأ من شكل التبادل بالمقايضة القديم إلى أشكال التجارة الإلكترونية الحديثة، وهي مختلفة الدخل من مجالات محدودة الدخل خاصة في ما يشرع التجارة فيه إلى مجالات خصبة للغنى الفاحش خاصة فيما لا يشرع التجارة فيه، وهي أنشطة لا تلتزم بقوانين العمل، ولا يتمتع العاملون فيه بحماية أو تأمينات أو نقابات أو أجور ثابتة مستقرة، ويسهل دخول منتجاته السوق بدون حواجز أو مراعاة لمعايير أو قياسات، ولكن أسواقه غير محمية، ومنتجاته غالبًا تقليدية محلية النشأة، بعيدة غالبا عن الاستفادة من التكنولوجيا المتطورة والأساليب والآلات الحديثة، وعماله لا يتمتعون بالتدريب الجيد، وخبراته محدودة ومهاراته يكتسبها من الممارسة العملية، والكثافة العمالية فيه كبيرة .
وهذا يبين وبوضوح أهمية الاقتصاد الرسمي وأهمية تعظيم دوره في تقوية الإنتاج الوطني وضرر الاقتصاد الخفي وضرورة إضعافه وتقليله .
التعامل مع الاقتصاد الخفي ومعالجته :
معالجة الاقتصاد الخفي ينبغي أن تُبنَى على معرفة الأسباب والنتائج والتعامل معها قبل الاتجاه إلى الملاحقة والمنع.
ومدار المعالجة على تحول الاقتصاد الخفي إلى :
1- العلنية وما يترتب عليها .
2- المساهمة في خزينة الدولة في مقابل الخدمات التي يستفاد منها .
ومما يساعد على تقليل فرص الاقتصاد الخفي :
1- زيادة معدلات النمو بمعدل يناسب الزيادة السكانية .
2- تأسيس جمعيات تعاونية للأعمال الفردية الصغيرة تقدِّم المساعدة والاستشارات وتساهم في حل مشاكل العاملين الصغار والحرفيين، وتشجيعهم على تكوين نقابات للحرفيين في الحرف المختلفة، وبالتالي إمكان توجههم إلى العلانية والدخول في الاقتصاد الرسمي .
3- تسهيل الإجراءات الإدارية للانتقال إلى القطاع الرسمي، وتقليل الروتين والبُعد عن الصرامة في تطبيق القوانين المنظمة للعمل .
4- تنظيم العشوائيات وتحسين أحوالها وأحوال من فيها، ومِن ثَمَّ تسوية أوضاع المنشآت الموجودة فيها وإدخالها في الاقتصاد الرسمي .