شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مصادر القلق مِن مراجعات "القرني"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أثار الحوار الذي أجراه الدكتور "عبد الله المديفر" مع الدكتور "عائض القرني" في أولى حلقات برنامج "الليوان" في شهر رمضان المبارك 1440هـ جدلًا كبيرًا؛ نظرًا لكثرة وتشعب الموضوعات التي تناولها؛ لا سيما مع ما ورد فيه مِن أن الدكتور عائض القرني يتوجَّه بالاعتذار إلى المجتمع السعودي باسمه وباسم الصحوة ككلٍ عن أخطاء فترة الصحوة (تنبيه: التيار المعروف باسم الصحوة في السعودية هو تيار سروري أو خليط مِن الإخوان والسروريين والمستقلين، كما عرَّفه الدكتور عائض في تلك الحلقة، وبالتالي فيجب عدم الخلط بينه وبين الصحوة الإسلامية بمعناها العام، والتي يمتد تاريخها لأكثر مِن ثلاثة قرون كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-).

وقد لخَّص الدكتور "عائض القرني" هذه الأخطاء في ثلاثة أخطاء رئيسية، لكن عند التأمل فيها سنجدها أربعة:

1- الصدام مع الدولة.

2- تهميش كبار العلماء.

3- الوصاية على الناس؛ وهذه تفرَّعت عليها في كلامه قضية أخرى أرى أنها بالفعل قضية رابعة؛ لأنها تختلف عن هذه القضية، وهي التشدد؛ ولذلك سأجعلها قضية رابعة.

4- التشدد.

وفي الواقع: إن هذه الأمور الثلاثة الأولى تمثِّل أكبر أخطاء السرورية، بل وكل التيارات المنبثقة عن الإخوان كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.

وبالتالي فكان المتوقع أن يُقابل اعتذاراه عنها بموجة استهجان مِن الإخوان والسروريين، وقد كان، حتى قال مذيعهم "محمد ناصر": "إذا لقيتموه في الطريق فابصقوا عليه واضربوه بالنعال!".

ولم يكذِّب شباب الإخوان خبرًا؛ فتسابقوا في بث فيديوهات تحمل معظمها معانٍ متقاربة، فيها شتم للرجل وتهديد له بالضرب بالحذاء!

كما كان يتوقع أن يكون في المقابل موضع ترحيب مِن كل مَن كان ينتقد هذا الفكر، ويرون أنه أحد أهم أسباب نكبة الأمة، وأنه أحد أهم أسباب تعثر الصحوة؛ إلا أن هذا الترحيب كان على العكس، كان بدلًا مِنه القلق والخوف مِن ألا تكون هذه الحلقة هي نهاية المطاف.

ويمكننا إجمال أسباب القلق والتوجس مِن هذه الحلقة في الأمور الآتية:

الأول: ما هي الأسباب التي أدت إلى وقوع تيار كبير بهذا الحجم والزخم في هذه الأخطاء؟

الثاني: ما هي الأسباب الشرعية التي تستند عليه هذه المراجعة؟

الثالث: كلام الدكتور القرني عن التشدد والذي أتى الشيخ فيه بالعجائب.

الرابع: امتهان وصف الصحوة الإسلامية.

الخامس: ما هي الرؤية الجديدة التي يقدِّمها القرني بعد المراجعات؟

وسوف نعالِج الأربعة أمور الأولى في هذه المقالة، ونؤجِّل الخامس لمقالةٍ لاحقة -إن شاء الله-؛ لا سيما وملامح المنهج الجديد الذي ينتوي "القرني" أن ينتهجه يبدو أنه يتجه نحو "الليبرو إسلام"، وهو طرح يتوافر له نقد متنوع ما بين مقروء ومسموع ومشاهد.

- مصدر القلق الأول: الإجمال الشديد في بيان القرني للأسباب التي أدَّت إلى وقوع تيارٍ كبيرٍ بهذا الحجم والزخم في هذه الأخطاء:

ذكرنا أننا نقرُّ "القرني" في الجملة على الأخطاء الثلاثة الأُول؛ لا سيما وهي تمثِّل أبرز الاعتراضات التي كنا -وما زلنا- نأخذها على التيار السروري، وكذلك نقره على ذمِّ التشدد والغلو، لكن كلامه التفصيلي في هذه الجزئية فيه كثيرٌ مِن التخليط، ولكن حتى فيما يخص الأخطاء الثلاثة التي نقره على أنها كانت -وما زالت- مِن أشد أخطاء التنظيمات المنبثقة عن الإخوان "ومنها السرورية بالطبع"؛ فيُلاحظ أن اعتذار الدكتور عائض عن هذه الأخطاء لم يأتِ مِن أرضية راسخة وبيان واضح للخطأ الذي كان، بل اكتفى في تسويغه لوقوعه هو وعامة السروريين في هذه الأخطاء بأمرين دندن حولهما كثيرًا:

الأول: حداثة السن.

والثاني: البُعد عن العلماء.

فأما الأمر الأول: فهذا قد يُجاب عنه: أن رموز هذا التيار استمروا في دفاعهم عن هذه التوجهات في بلادهم، وفي خارجها، ومِن ذلك: الكتاب الأخير للدكتور سفر، وكذلك "نداء الكنانة" الذين أرادوا به تصدير هذه الفكرة إلى مصر "يعني أنهم -وبعضهم جاوز الستين مِن عمره، بل ربما قارب السبعين- ما زالوا يرددون تلك الأفكار!".

وأما الثاني: فيشكل عليه ما حكاه هو بنفسه أن الشيخ ابن باز -رحمه الله- كان يجتمع بهم شهريًّا وينصحهم برفقٍ، لكنهم كانوا إذا خرجوا مِن عنده قال كثير منهم: "لا تسمعوا له؛ لأنه جاهل بالواقع!".

- مصدر القلق الثاني: الإجمال الثاني في بيان الأسباب الشرعية التي تستند عليه هذه المراجعة:

في المقابل عندما أراد القرني أن يبيِّن دوافع المراجعة التي أجراها ركَّز على جوانب، منها:

الأول: أن الصدام مع الدولة أدى للإيقاف والسجن.

الثاني: أنه عوَّل كثيرًا على أن السعودية تحكم بالشريعة، وأن ثمة بيعة شرعية في عنق السعوديين للملك.

فأما الأمر الأول: فلا شك أن هذه مفسدة كان يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ولكن كثرة الدندنة حولها قد يوحي أن هذا الكلام ما هو إلا كلام مستضعف، وأنه إذا تغيرت الظروف فسوف يعود لسيرته الأولى -وهو ما رددته أيضًا بعض المنابر الإعلامية التابعة للإخوان-.

وأما الثاني: فلا شك أن إنتاج وأطروحات هذا التيار عبَرَت حدود السعودية، وفتواهم أثَّرت على كثيرٍ مِن الشباب في بلادٍ أخرى، فما هو موقف السروريين في كل بقاع العالم مِن دولهم؟! وهل ينصحون باستمرار افتعال الصدام أم ان هناك تنظيرًا شرعيًّا آخر يعتمد على الضبط الشرعي وليس العاطفي لقضية مراعاة المصالح والمفاسد؟!

- مصدر القلق الثالث: الموقف المضطرب مِن قضية التشدد:

ذكرنا ثلاثة مصادر للقلق مِن مراجعة القرني للقضايا الثلاثة التي وافقناه مِن حيث المبدأ أنها في حاجة إلى مراجعة؛ ليس منه وحده، بل مِن التيارات المنبثقة عن الإخوان بصفةٍ عامةٍ، ومنها: "السرورية".

وهذه الثلاثة هي:

الأول: ما هي الأسباب التي أدت إلى وقوع تيارٍ كبيرٍ بهذا الحجم والزخم في هذه الأخطاء؟

الثاني: ما هي الأسباب الشرعية التي تستند عليها هذه المراجعة؟

الثالث: ما هي الرؤية الجديدة التي يقدِّمها القرني بعد المراجعات؟

وفي الواقع: إن هذه الثلاثة تحتاج أن تُعاد وبدرجةٍ قلقٍ أشد وأعمق فيما يتعلق بقضية التشدد، ويُضاف عليها تساؤلات، منها:

الصفحة التالية