مصادر القلق مِن مراجعات "القرني"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
أولًا: ردد القرني كثيرًا أن أزمة ذلك التيار تعود إلى أنه لم يلتزم بكلام كبار العلماء: كابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله-، ثم ذكر أن مِن أزمة هذا التيار التشدد في الفتوى، وفي الواقع فإن هذه تهمة كان يلصقها دعاة هذا التيار بالشيوخ، وليس العكس.
نعم يصدق على هذا التيار أنه كان عنده غلو في التكفير كما قال القرني، سواء كان هذا ناشئًا عن الغلو في قضية الحاكمية أو الغلو في قضية الولاء والبراء، وعدم ضبط المناطات المكفرة مِن غير المكفرة في هذين البابين، ويقل عندهم التكفير بمسائل الشرك الناشئ عن الغلو في الصالحين؛ ربما مراعاة للشراكة مع الإخوان، ومنهم مَن ينتمي للصوفية، وإن كان موقفهم المتذبذب في قضية العذر الجهل يَلزم منه تكفير مَن يصرف العبادة لغير الله جاهلًا دونما إقامة حجة، خلافًا لأهل السُّنة الذين لا يكفِّرون المسلم الذي يأتي بعملٍ كفريٍ حتى تُقام عليه الحجة.
أيضًا: وُجد في هذا الاتجاه لبس بين قضية الإصرار على المعصية وبين قضية الاستحلال، وهو ما أوقعهم في تكفير بعض عصاة المسلمين، ولعل "عائض القرني" كان يشير إلى هؤلاء عندما قال: "إن بعض المنتسبين إلى الصحوة يكون عنده تعظيم لمسألة الوقوع في الكبيرة فيقع في التكفير"، ولكن عندما نتكلم عن الفتاوى التي تتعلق بالحلال والحرام فلا نكاد نعرف مسألة انفردوا بتحريمها عن كبار العلماء، بل ما ذكره القرني كأحد مظاهر التشدد مِن منع الأناشيد لعل الاقرب أن يقال: إن هذا التيار كان يتوسع في الأناشيد على خلاف الشيوخ الذين كانوا لا يحبذون، وربما يمنع بعضهم منها.
ومِن أعجب الأمثلة التي أوردها القرني على التشدد الذي يرى أن صحوته كانت عليه: الكلام على "التدخين!" (مع أن كلامه يحتمل أنه يعني أصل فتوى التحريم تعتبر تشددًا أو أنه يستنكر الاهتمام بإبراز تحريمه مع إقراره بحرمته)، وعلى أيٍّ فلا مجال لوصف هذه المسألة بالتشدد، فتحريمه الآن يكاد يكون متفقًا عليه بين كل مَن يحسن الفتوى بعد ما تبينت أضراره، وهذه الفتوى ليستْ في السعودية وحدها، ولكن أيضًا كانت هناك فتاوى صادرة عن "دار الإفتاء المصرية"، والكثير من دول العالم الإسلامي، وقد قامت "اليونسكو" بحملةٍ لنشر هذه الفتاوى ضمن حملتها في مناهضة التدخين.
وإذا كان معظم الناس يصر على التدخين؛ فإن هذا يستوجب تكرار التحذير منه لا الاعتذار عن التحذير السابق!
ولعل هذا يدفعنا للتساؤل: هل خرج القرني ليعتذر عن منهجه السروري ويعود لـ"فهم كبار العلماء" كما قرر أكثر مِن مرة في الحلقة أم أنه يريد أن يتجاوز هذا وذاك إلى الإسلام الليبرالي الذي تروج له "مؤسسة راند"؟!
وهل دور الدعاة هو ترويج هذا الإسلام الليبرالي طالما أنهم تابوا من مصادمة حكوماتهم وإدخال أتباعهم في موجاتٍ مِن الصدام اللانهائي؟! أم ثمة حل وسط بالإنكار بالحكمة والموعظة الحسنة وبيان الحق والدعوة إليه؟
ومما يزيد القلق في هذا المضمار: عبارات أطلقها القرني في وصف منهجه الجديد تكاد لا تُطلق اليوم إلا ويراد بها المعاني االليبرالية التي تريدها "مؤسسة راند"، ومنها قوله:
- كنت إقصائيًّا؛ فأصبحتُ متعايشًا!
- الإسلام دين السلام العالمي.
- أنا الآن أنطلق مِن التعسير إلى التيسير.
- ومِن التقليد إلى التجديد.
- مِن التنفير إلى التبشير.
وبالطبع فجميع المعاني السابقة لها وجه موافق للشرع، ووجه موافق لـما يريده الغرب منا "وعلى رأسه مؤسسة راند"، وهو أن نعيد تفسير الإسلام ونلوي أعناق نصوصه ليتوافق مع منتجات الحضارة الغربية، وكان يجب -على الأقل- البيان وعدم ترك الأمر للاحتمال المستوي الطرفين؛ فضلًا أن تكون كل القرائن تجعل الاحتمال الأقرب في تفسير هذه العبارات في هذا السياق، أقرب إلى المعنى الفاسد -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-.
- مصدر القلق الرابع: امتهان وصف الصحوة الإسلامية:
قدَّمنا مِن قبْل هذا التنبيه: (تنبيه: التيار المعروف باسم الصحوة في السعودية هو تيار سروري أو خليط مِن الإخوان والسروريين والمستقلين، كما عرَّفه الدكتور عائض في تلك الحلقة، وبالتالي فيجب عدم الخلط بينه وبين الصحوة الإسلامية بمعناها العام، والتي يمتد تاريخها لأكثر مِن ثلاثة قرون كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-).
ومما يؤخذ على الدكتور عائض أنه خلط أحيانًا بين المفهومين، وكان حريًّا به أن يوضِّح الفرق بينهما بجلاءٍ، لا أن يزيده غموضًا.
ومن ذلك: أنه ذكر أن الملك فهد -رحمه الله- أثنى على الصحوة، وكذلك الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين -رحمهما الله-، وبالرجوع إلى تلك الفيديوهات التي أشار إليها سنجد أنها جميعها تقريبًا تتحدث عن الصحوة الإسلامية بمعناها العام؛ فقد تحدث الملك فهد -رحمه الله- عن الصحوة الإسلامية، وأنها قامت بعد الاستعمار لاستعادة العقيدة الإسلامية والثقافة الإسلامية، فحديثه أقدم مِن الكلام على مجموعة عائض القرني ورفاقه.
كذلك كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في جوابه على سؤال عن استشكال حول مصطلح الصحوة الإسلامية، وهل يتعارض مع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (رواه مسلم) ؟ فقال: "لا ينافي هذا الحديث؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: لم تزل أمتي، إنما قال: ( طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي )، ومعناه: أن هناك طوائف أخرى لا يكونون على الحق، والناس يقولون صحوة بالنسبة لحالهم قبل هذه الصحوة، والنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي )، ولم يقل: أمتي، وبينهما فرق، وقد نكون في بلدٍ الدِّين فيه ظاهر، وفي بلدٍ أخرى لا".
الشاهد: أن الصحوة وصف للأمة كلما مرت بها حالة تكون أفضل مِن سابقتها، وعلى هذا الأساس يمكن الرجوع للصحوة الإسلامية المعاصرة إلى التاريخ القريب: