شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مصادر القلق مِن مراجعات "القرني"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

تبني سياسة مصادمة الحكام ليس حكرًا على السرورية، وهو أمر زرع بذرته الأستاذ "حسن البنا" في رسالة المؤتمر الخامس عام 1938م مخالفًا بذلك مسلكه قبل هذا العام، ومنذ ذلك التاريخ وهذه الفكرة متوارثة في الإخوان، وفي كل التنظيمات المنبثقة عنها، ومناقشة هذه القضية تفصيليًّا لا يتسع له المقام هنا.

وأما ما ذكره مِن الوصاية على الناس: فحقيقته أنه نابع مِن الاستعلاء على الناس، وهي قضية أيضًا متوارثة مِن ذات الرسالة، وليست من إنتاج الأستاذ "سيد قطب" كما يظن الكثيرون؛ إلا أن "سيد قطب" زادها عمقًا وحدّة، وأضاف إليها بُعدًا عقديًّا، بخلاف الاستعلاء الإخواني الذي ينبع مِن النظر بعين التضخيم لعمل الإخوان على الأرض منذ نشأتها، وحتى تاريخ مؤتمرها الخامس عام 1938م ثم ما جاء بعده، وأما ما ذكره مِن تهميش العلماء فهو ليس مجرد تهميش للعلماء بقدر ما هو تهميش للعلم الشرعي لصالح الاجتهاد السياسي.

وقد يكون مستغربًا إذا قلنا: إن جماعة الإخوان أضرت كثيرًا جدًّا بمسألة العلاقة بين الدين والسياسة؛ لأنها بلا شك لا تنادي بالفصل بين الدين والسياسة، وهذا حق لأن الإسلام فيه تشريعات صنَّفها الناس اليوم بأنها سياسية في ضوابط بين الحاكم والمحكوم، ومِن منعٍ مِن منكراتٍ معينةٍ، ومِن تنظيمٍ لأسس الاجتماع والاقتصاد، وبالتالي فالفصل بين الدين والسياسة ما هو إلا تركٌ ورد لبعض ما أنزل الله.

هذا فيما يتعلق بتنظيم الدول والمجتمعات، وأما ما يتعلق بالسلوك السياسي في أحوال الاتفاق والاختلاف، فثمة ضوابط للمصلحة والمفسدة تُضبط بها الأمور بيَّنها أهل العلم وضبطوها غاية الضبط، ولكن جماعة الإخوان تتخذ قراراها السياسي المحض (والذي -وللأسف- غالبًا ما يكون خطأ حتى من الناحية السياسية) ثم تطلب مِن العلماء المنتسبين إليها أو المتعاونين معها إيجاد حجج شرعية له!

وهذا ما جعل الجماعة والجماعات المنبثقة عنها تقع في تناقضاتٍ فجةٍ وفقًا لموقفها السياسي؛ فإذا تعاونت الجماعة مع حاكمٍ قبلوا منه واعتذروا عنه، كما هو الحال الآن في تركيا وقطر وتونس، والتي جاء رد فعل حزب النهضة (وهو أحد الأحزاب المنبثقة عن الفكر الإخواني) هادئًا وناعمًا أمام رجل يقول: "لا شأن لنا بالقرآن والسُّنة!"، بينما يصدرون فتاوى التكفير لأخطاءٍ دون ذلك بكثيرٍ في بلاد أخرى، وبناءً عليها ينادون بالعنف أو الصدام سواء كان مسلحًا أو حتى غير مسلح، مثل دعوات تعطيل السيارات، ومنع الناس مِن الأضحية أو نصيحتهم بعدم حج التطوع، كما أفتى مفتي ليبيا المحسوب على جماعة الإخوان!

خاتمة: علماء أهل السنة؛ لله درهم كم يحملون مِن همٍّ ويتحملون مِن بغي؟!

تذهب معظم التحليلات والتي كتبها رموز مِن التيار القومي السعودي، بل والتيار العالماني إلى تفسير صبر الحكومة السعودية على هذا التيار المشاغب بأن ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- قد احتضنا ذلك التيار، واحتضنا معه التيار المدخلي، وحاولا إصلاح كل منهما، وحاولا إصلاح العلاقة بينهما، وفي حرب الخليج قرر هؤلاء الدعاة إسقاط هيبة المشايخ فأصَّلوا لما أسموه: فقه الواقع (وهو نوع مِن التقعر في الكلام لإيهام أن ثمة جديد، وليس إلا أن الفتوى هي معرفة الواقع ثم البحث عن حكم الله في مثل هذا الواقع وإسقاط هذا على ذاك)، وبعد ما جعلوه فقهيًّا مزاحمًا للفقه وللعلم، شنَّعوا على المشايخ أنهم يجهلونه!

والآن وبعد وفاة الشيخ ابن باز -رحمه الله- بسنواتٍ، نعلم مِن شهادة "عائض القرني" أن "ابن باز" -رحمه الله- كان يخصص لهم جلسة شهرية يناصحهم فيها، وأنه سمع مِن بعضهم بأذنيه تجهيله في الواقع، وأظن أنه بلغه الكلام الجارح الذي يقولونه إذا انصرفوا مِن مجلسه، وأنه استمر على ذلك؛ أملًا في الحفاظ على الخير الذي في دعوتهم، وأن عائضًا بعد ما خالف نصيحة الشيخ وشارك في تقديم نصيحة للملك ونشرها على الإعلام، أراد بعضهم أن يورطه في صدام شخصي مع الحكومة (وللأسف فإن الصدام الشخصي في كثيرٍ مِن الاحيان يكون له حسابات أخص وأضبط عن معظم مؤيدي دفع الشباب للصدام مع الحكام)، فلم يجد إلا الشيخ ابن باز فأعفاه مِن الحرج وتحمله عنه!

فلله در أهل السنة في كل عصر؛ هم كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "يعرفون الحق، ويرحمون الخلق".

هم شجرة النخيل التي ضربها النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلًا للمؤمن، يرميها الناس بالحجارة فتلقي إليهم بأطيب الثمر، ولا شك أن سيرتهم فيهم تسلية لنا لما نجده مِن تلاميذ أولئك القوم، فهكذا تستمر الابتلاءات، والسعيد مَن ثبته الله في السراء والضراء، وعند مدح الناس وعند ذمهم، والسعيد مَن لقي الله وحسناته كما هي لا يسأله الناس منها شيئًا، بل هو الذي يسألهم.

نسأل الله أن يستعملنا ويثبتنا على دينه، وأن يستعملنا في نصرة سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة السابقة