مصادر القلق مِن مراجعات "القرني"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
ومنها: أن منهم مَن يعظم شأن الكبيرة حتى يدخل في التكفير (وأظنه يشير إلى ما ورد في كلام كثيرٍ منهم مِن الخلط بين الإصرار والاستحلال، أو ما ورد في كلام البعض الآخر من اعتبار المجاهرة بالذنب استحلالًا له ويرتب عليه تكفير كثير مِن أصحاب الذنوب والمعاصي على خلاف مذهب أهل السُّنة والجماعة؛ بدعوى أن هؤلاء مستحلون بإصرارهم أو بمجاهرتهم، وقد أقام النبى -صلى الله عليه وسلم- الحد على الرجل الذى كان كثيرا ما يؤتى به فى الخمر وفي ذات الوقت نهى عن لعنه؛ مما يدل أن مجرد الإصرار على المعصية، بل على الكبيرة أو المجاهرة بها وإن كان يزيد مِن جرمها وإثمها؛ إلا أنه لا يكفر بها صاحبها.
أو لعله يشير إلى ما شاع في هذا الاتجاه لا سيما عند الدكتور "سفر الحوالي" مِن الانتصار للقول بكفر تارك أيّ مِن المباني الأربعة: (الصلاة والزكاة والصوم والحج)، ورَمَى مَن خالف فى تلك المسائل بالبدعة أو الكفر! مع أن معظم علماء الأمة لا يكفِّرون بترك شيءٍ مِن هذه الأربعة، وأن هذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد -رحمه الله-، والرواية الأخرى الموافقة للجمهور رجحها "ابن قدامة"، ومال إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهي الأقرب للدليل؛ لحديث الشفاعة وغيره، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
أو يشير إلى ما يُعرف عندهم بمسألة: "تكفير تارك جنس العمل"، ويعنون بها أنه لا يصح الإيمان إلا بفعل شيءٍ مِن عمل الجوارح، وبالتالي يقولون بكفر تارك عمل الجوارح بالكلية، وعامة أهل العلم يرون أن الإيمان لا يصح إلا بتصديق القلب وعمله مع نطق اللسان بالشهادتين، ومنهم مَن يرى أنه لا يصح إلا أن يأتي بالصلاة أيضًا أو يأتي بها هي والزكاة، أو يأتي بالمباني الأربعة، وفيما عدا ذلك هم متفقون على أن الأعمال الواجبة هي مِن واجبات الإيمان ينقص الإيمان بفقدها، ولكنه لا يزول، وأن الأعمال المستحبة هي مِن مستحبات الإيمان التى يكمل ويزيد إيمان مَن فعلها عن الإيمان الواجب.
وأما مسألتهم تلك؛ فلم يطرحها أحد مِن الجمهور ممَن لا يكفر تارك الصلاة، ومَن يكفر تارك الصلاة مستغنٍ عنها أصلًا، وبالتالي فهي مسألة جدلية تمامًا؛ فضلًا عن كونها غير قابلة لتحقيق مناطها مِن عدمه عند التطبيق على الأعيان، ومع هذا صاغوها مسألة اعتقادية ثم زعموا أنها مِن أصول أهل السنة، وجعلوها مسألة يوالون ويعادون عليها، بل ورتبوا عليها الكثير مِن التبعات الخطيرة!
ومنها: "غلوهم في قضية الحاكمية"، ويتمثل في أمور:
1- زعمهم أن قضية الحاكمية هى مِن باب الإيمان المجمل كما ذكر ذلك الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف في كتابه: "نواقض الإسلام القولية والعملية"، وهذا يترتب عليه أمور، منها:
أ- عدم صحة إيمان الكافر الذي فهم معنى لا إله إلا الله مِن حيث الإجمال، ولم يفهم أن مِن معانيها تحكيم الشريعة.
ب- الحكم بتكفير المعين الذي يخل بقضية الحاكمية دون اعتبار لجهل أو تأويل، وقد شاهدنا هذا جليًّا بعد 3-7 في مصر، وغيرها من البلاد.
ج- وهذا هو عين تنظير جماعة "التوقف والتبيُّن"، وكتاب "حد الإسلام" لعبد المجيد الشاذلي؛ بيد أن الدكتور "عبد العزيز العبد اللطيف" اقتصر على قضية الحكم، في حين أن كتاب "حد الإسلام" توسع في هذا الباب فتكلم عن (الحكم والولاية والنسك).
2- حتى من الناحية الاصطلاحية؛ فعامة أهل العلم يذكر قضية الحكم كإحدى فروع توحيد الألولهية المستند بطبيعة الحال إلى توحيد الربوبية، ولكنهم غالبًا ما يفردونه بقسم (وهذا الأمر لو انفرد لقيل فيه: لا مشاح في الاصطلاح، ولكنه عندما يأتي في سياق مظاهر أخرى مِن الغلو في هذه المسألة؛ فلا شك أن هذا يعد واحدًا مِن مظاهر الغلو تلك).
3- الأثر العملي لإدراك أهمية هذه القضية عند هؤلاء القوم لا يكون بتعليم الناس الشريعة والدعوة إلى تحكيمها في كل شئون الحياة؛ فندعو إلى أن يطبِّق الإفراد الشريعة على أنفسهم، وندعو مؤسسات الحكم إلى تطبيق الشريعة بين الناس، ولكنهم غالبًا ما يكون أثر الاهتمام بهذه القضية عندهم مصادمة الحكام والاستعلاء على العوام الذين لا يشاركونهم السعي إلى تطبيق الشريعة، بل وازدراء العلماء الذين يطالبونهم بالتعقل بالفهم الشامل للإسلام وإنزال كل مسألة منزلتها، والحكمة في التصرفات ومراعاة المصالح والمفاسد، وهي الأخطاء الثلاثة التي اعترف بها د."عائض القرني".
ومنها: غلوهم في قضية الولاء والبراء، والمتمثل في عدم ضبط الفارق بين المناط المكفر وغير المكفر في هذا الباب حتى في الأبحاث التفصيلية التي قدموها في هذه القضية، وهو ما انعكس على انتشار تيار التكفير في اتباعهم في مصر بعد 3-7، إذ جعلوا ما ليس مِن الموالاة منها، ثم لم يكتفوا بإدخالها في باب الموالاة حتى جعلوها موالاة كفرية؛ لأنهم لا يتصورون مِن الموالاة إلا ذلك!
وكما ترى؛ فإن كل هذه الأمور تستوجب الاعتذار ليس إلى المجتمع السعودي فحسب، بل إلى الأمة الإسلامية بصفةٍ عامةٍ "وإلى الصحوة الإسلامية" التي تعثرت بسبب إصراراهم على هذه الأخطاء رغم تحذير العلماء المتكرر لهم، بصفةٍ خاصةٍ.
تنبيه:
ما ذكره العلامة "محمود شاكر" بشأن تلك اليقظة التي حدثت بدون ترتيب قادها مصلحون متباعدو الديار، شُوهد مثله في السبعينيات حيث وُجد توافق عجيب بين كثيرٍ مِن رموز الصحوة على الحاجة إلى العودة إلى الدين، وهو ما يؤكِّد أن العامل القدري هنا كان هو الأكثر تأثيرًا، ثم تلقفته قلوب الشباب، وبارك الله في تلك الجهود.
وقد شهد بذلك أحد الباحثين (مع أنه ناقد للصحوة)، فقرر أن تلك الحالة التي تنتشر بين ملايين البشر لا يقدر عليه فرد ولا تنظيم ولا دولة، وأن مَن يزعم أن هذه الصحوة من إنتاجه؛ فليرنا كيف يمكنه أن يجمع هذه الملايين مرة أخرى على فكرة أخرى غير الالتزام؟!
وأن الذي يحدث أن تتتابع أحداث فتنتج آثار، ولا يكون في خلد أي أحدٍ ممَن يتعاطون مع تلك الأحداث أنه يمكن أن تبلغ هذا المبلغ.
فائدة: