شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات (9) عوامل الثبات (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

(5) كثرة الذكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- أمر الله بكثرة الذكر في أحلك الظروف والأوقات، بما يدل على أنه مِن أعظم أسباب الثبات: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) .

- الشيطان يعمل على تراجع المسلم عن الثبات إلى أن يكبه في النار، وكثرة الذكر مِن أعظم وسائل طرد الشيطان عن الإنسان: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ( مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) (الناس:4) ، قال: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سهى وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس"، قال ابن كثير -رحمه الله-: "وكذا قال مجاهد وقتادة" (تفسير ابن كثير) .

- ولذا جاء الهدي النبوي يملأ حياة المسلم بالذكر في كل أحواله ليكون في حرزٍ دائمٍ مِن الشيطان، وفي ذلك تثبيت للإنسان: عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" (رواه مسلمً) .

- إشارة مختصرة إلى بعض الأذكار الموظفة: قال ابن الصلاح وغيره في قوله -تعالى-: ( وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الأحزاب:35) : "الذي يملأ يومه بالأذكار الموظفة، كان مِن الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات". قلتُ: فكيف بمَن زاد بالأذكار المطلقة؟!

(1) الذكر أسهل العبادات ومِن أعظم وسائل الثبات:

- كبير السن وضعيف الهمة وكثير الشواغل يجد له بابًا للثبات وزيادة الإيمان في الذكر: عن عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ أبواب الخير كثيرة، ولا أستطيع القيام بكلِّها؛ فأخبرني بما شِئت أتشبَّث به ولا تُكثر عليّ فأنسى. وفي رواية: إنَّ شرائع الإسلام قد كَثُرت عليَّ، وأنا قد كَبِرت؛ فأخبِرْني بشيء أتشبَّث به، قال: ( لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- لا عذر في تركه الا إذا زال العقل: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لم يفرض الله -تعالى- فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، أما الذكر فإنه لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، قال -تعالى-: ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ) (1) (النساء:103) " (الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب لابن القيم) .

(2) خطر الانقطاع عن الذكر:

- الذكر حياة القلوب، وبغيره لا قيمة للأبدان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميِّت ) (رواه مسلم) .

- النهي عن المجالس الخالية من ذكر الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقومونَ منْ مَجْلسٍ لاَ يَذكُرُون الله تَعَالَى فِيهِ إِلاَّ قَاموا عَنْ مِثلِ جيفَةِ حِمَارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) (2) ، وقال -تعالى-: ( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) (النجم:29) .

- أهل الذكر يخافون زلل المجالس فيشرع لهم الاستغفار والتطهر بعدها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

(3) مِن فضائل الذكر:

- ذكر الإمام ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب من الكلم الطيب" سبعة وسبعين فائدة للذكر، نشير إلى سبعة منها، وننصح بالرجوع للكتاب.

1- كلماته يسيرة وأجورة كثيرة (أمثلة): قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ) قَالَ: ( وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) (رواه البخاري) .

2- الذكر روح العبادات، وبكثرته تتفاضل، بل ويتفاضل به أهل الطاعات: روي عن أنس الجهني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا"، قَالَ: فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا"، ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَالصَّدَقَةَ، كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- لِعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ-: يَا أَبَا حَفْصٍ، ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "أَجَلْ" (رواه أحمد والطبراني) .

الصفحة التالية