شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات (9) عوامل الثبات (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

وكان الرجل يخرجُ بعد صلاة العصر فيغشى الناس في أسواقهم ومجالسهم، يا قومي: هل أدلكم على ما ينفعكم؟ قالوا: نعم، فساق لهم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ )، فلم يزل في قومه مُلحًا عليهم داعيًا إياهم إلى ترطيب ألسنتهم وتطهير قلوبهم بذكر الله -عز وجل-، فاستجاب له قومه وأهله، عاش الرجل مستمسكًا بهذا الذِّكر لم يكدْ لسانه يفتر عن تلك الكلمات المباركات لم يكن يقابل أحدًا إلا أقرأه حديث النبي الكريم ودعاه إلى ذِكْرِ الله، لقد امتلأ قلبه بنور هذا الذِّكر وفاض هذا الحب على لسانه، قد أراد هذا الرجل لكل مَن عرفه أن يشعر باللذة التي شعر بها، أراد للناس أن يأنسوا بذكر الله كما أنسْ، وتطمئن قلوبهم كما اطمئن قلبه، ومضتْ بِضْع سنين والرجل على حاله لا يغير ولا يبدل، كل من نظر إليه يتذكر من ساعته حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ ) حتى إذا داهمه المرض وأُدخل المستشفى، وكان المرض قد أنهك جسده فلم يعد يقدر على شيءٍ غير أن لسانه لم يزل متلذذا بالكلمات المباركات: ( سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ )، كان يدخل عليه الأطباء وفريق التمريض مِن العرب والعجم فينادي فيهم ويرغبهم في الذِّكر الذي اجتمع حبه في قلبه، حتى إذا جاءت اللحظات الأخيرة والطبيب عند رأسه، وكان طبيبًا من دولة عربية وعلى دين النصارى، فناداه: يا دكتور! قال الدكتور: نعم يا عم. قال الرجل: يا دكتور قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ ). ثم فاضت روحه إلى بارئها! عندها ذُهل الطبيب ورقَّ قلبه، لقد شاهد الطبيب في حياته العملية حالات احتظار كثيرة غير أن هذه المرة لم تكن كسابقاتها، لقد مات الرجل المسن وهو يتحدث بكل ثقة وثبات وهدوء وبشاشة، لم يتردد الطبيب كثيرًا، فما هي إلا أيام وقد أخذ قراره الحكيم وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (ذكرها أحد طلبة العلم، وحكاها بعض الدعاة الثقات) .

نسأل الله أن يجعلنا جميعًا مِن الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأمل السياق والمناسبة، فإن الأمر بالذكر جاء بعد الانتهاء مِن صلاة الخوف في القتال؛ فكيف بمَن كان في أمن وسلام؟!

(2) ما أكثر هذه المجالس في هذا الزمان، والتي يحرص أصحابها على عدم ذكر الله (البرامج التليفزيونية - المحاضرات والندوات والمؤتمرات - مجالس كثير من التجار والبيوت - ...)، والحسرة في الحديث: الندم يوم القيامة الملازم لهم على ما فرطوا في مجلسهم هذا.

(3) ترى الذاكرين في أحلك الظروف راضين مطمئنين؛ لأن الذكر يبدل الخوف أمنًا، قال -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد:28) ، أي: تسكن قلوبهم وتأنس بذكر الله.

الصفحة السابقة