انطلاق قلب (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مِن أعظم ما يحققه القرآن لِتَالِيهِ وقارِئه -خصوصًا في الصلاة-: "انشراح الصدر"، واستنارة القلب بمعاني الإسلام والإيمان والإحسان التي يتضمنها القرآن، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (الزمر:22) ؛ فجعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- وصف العبد المؤمن أن صدرَه منشرح بالإسلام، وهو هنا يشمل الدين كله، فإن معاني الإيمان الباطنة هي مِن حقائق الإيمان، وإذا أُطلِق الإسلام فإنه يشمل الإيمان ويشمل الدين كله.
وانشراح الصدر يعين العبد على تحمل مشاق الحياة وأذى الناس؛ ولذا سأل موسي ربه -عَزَّ وَجَلَّ- شرح الصدر عندما كلفه بالذهاب ( إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي . يَفْقَهُوا قَوْلِي ) (طه:24-28) ؛ فالدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- قد يقع فيها مِن أنواع الأذى مِن الكفار والمنافقين والمبتدعين والظالمين وكل مَن خالفك؛ فكيف يتحمل الإنسان هذه المصاعب، وربما ضاقتْ نفسه بأي درجةٍ مِن درجات الاعتداء والتجاوز في حقه؟! لكن المؤمن ذو الصدر الواسع المنشرح الذي يقتدي بأنبياء الله -عَزَّ وَجَلَّ- يكون مَثَله مع أنواع متاعب الحياة وأنواع الأذى الذي يصيبه كمَثَلِ رجل عنده قَصْرٌ واسع منيف ذو حديقة أوسع منه بكثير، فألقى بعض الحاقدين داخل حديقة القصر بعض الأوراق أو بواقي الطعام مما يسميه الناس "زبالة"، والحديقة فيها مِن أنواع الأشجار والأزهار ذات الرائحة الطيبة التي تجعل -في حقيقة الأمر- هذه الفضلات مِن الطعام وغيره سمادًا جيدًا لهذه الأشجار المثمرة والأزهار ذات الرائحة الطيبة؛ هل ترون مَن بداخل القصر يتأذى بما يُلقى في حديقة القصر الواسعة بشيءٍ مِن ذلك؟! لا يتأذى -بحمد الله-؛ لأنه عنده مِن السعة ما يجعل مِن هذه الأشياء أشياء تافهة لا قيمة لها!
وكذلك الحياة بأَسْرِها مِن مرضٍ في بدن أو نقصٍ في مالٍ أو فقدٍ لأحد الأحباب؛ إنها كلها إلى زوال، وجميعها "لا تساوي عند الله جناح بعوضة"، كما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ فكيف نصل إلى هذه الحقائق مِن خلال القرآن؟!
ثم الصفة الثانية مِن صفات العبد المؤمن: "النور"؛ فهو منشرح الصدر ومستنير القلب، وهذا النور مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )، وهذا النور يجعله يرى حقائق الأمور، ويعرف الحق ويعرف الباطل، كما يشهد البداية والنهاية، ويشهد ما بيْن ذلك ضمن ملكوت السماوات والأرض الذي انفرد به الله -عَزَّ وَجَلَّ-، ومَن نظر إلى ذلك وشاهده؛ هان عليه كل شيء، ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (الأنعام:75) .
فمَن حصل له ذلك شعر بسعادةٍ عظيمةٍ على الدوام، وأبصر مواطن الاختلاف والافتراق، وجعل اللهُ له فرقانًا يُدرِك به الفرق بيْن الحق والباطل، والإيمان والكفر، والسُنَّة والبدعة، والصواب والخطأ؛ فيُوفق في عامة اجتهاداته، وأخطرُها ما يتعلق بمجموع الأمة أو بمجموع طائفة الدعاة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- وأهل السُّنة، فهذا النور عونٌ أيضًا لشرح الصدر، وسبب إضافي لسعادة القلب، ومعرفة الحقائق الإيمانية التي يرشد إليها القرآن.
ومِن أهم ما يدفعك إليه القرآن: أمر الدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فالناس قد سُلسلت شياطينهم، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ) (رواه البخاري ومسلم واللفظ له) ، فإذا كان الشيطان يعجز أن يوسوس في رمضان بكثيرٍ مما يوسوس به في غيره فذلك يعينك في دعوتك إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فانتهز الفرصة، وكلٌّ منا ينبغي أن يكون داعيًا؛ ألم تسمع قول لقمان لابنه وهو يعظه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (لقمان:17) ؟! فكما أمره بالصلاة أمره بالدعوة، وهذا أمر يدلنا على أن كلًّا منا لابد أن يكون داعيًا إلى الله، وكما أمر الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل:125) .
فلتكن دعوتك إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بما وصف الله -سبحانه-، وتجنب الغلظة والعنف؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ما أمكن ذلك وما شُرع ذلك، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ) (رواه مسلم) ؛ فاجتهد أن تكون رفيقًا في دعوتك إلى الله؛ فالقرآن يجعل قدوتك وأسوتك حياة الأنبياء، بأن ترى دعوتهم وصبرهم وجهادهم في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، وترى عاقبة أمرهم؛ تأخذ مِن ذلك دفعة عظيمة تسير بها في طريق الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة، وهذا الذي يهيئ الأمة أعظم تهيئة لمجاهدة أعدائها.
إن أُمَّةً لا تأمر فيما بينها بمعروف ولا تنهى عن منكر، ينتشر فيها الفساد والفسق، والفجور والتبرج وإضاعة الواجبات -وأعظم ذلك: إضاعة الصلوات، وإضاعة الزكوات، والفطر في رمضان-؛ إن أُمَّةً بهذه المثابة لا تستحق أن تنصر، بل تستحق أن يسلَّط عليها عدوها؛ لذلك ينبغي إذا وجدتَ مَن يرتكب منكرًا في نهار رمضان أن تدعوه إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.