انطلاق قلب (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ولا بد أن يتكلم بالحق كل مَن يعرفه وعنده الدليل من الكتاب والسُنَّة، وكل مَن يراه؛ فلو أن المفطر -مثلًا- عمدًا في نهار رمضان والذي يتبجح بذلك في طرقات المسلمين كلما لقيه مسلم قال: اتقِ الله أنتَ في رمضان، وفطر يوم مِن رمضان أعظم مِن عمرك كله، لا يعوضك أن تصوم العمر كله، وكما قال الإمام الذهبي: "وعند المؤمنين مقرر أن مَن ترك صوم رمضان بلا مرض؛ أنه شر مِن الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال" (انتهى) ، فلتُذَكِّر مَن رأيته مفطرًا بذلك، وأنه لا يقضيه عنه صوم الدهر وإن صامه، وإن كان مأمور بالقضاء والكفارة، كما ورد عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلا كَفَّارَةَ ) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني) ، وفي لفظ: ( مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ ) (رواه البيهقي، والحاكم، وحسنه الألباني) ؛ فيفهم منه بمفهوم المخالفة أن مَن أفطر عمدًا؛ فعليه القضاء والكفارة، كما قال أبو هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وكما روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا".
وحديث الذي جامع أهله في رمضان فقال: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ( وَمَا أَهْلَكَكَ؟ ) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: ( هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: ( تَصَدَّقْ بِهَذَا ) قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: ( اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ) (متفق عليه). وإذا كانت الكفارة باقية في ذمته كما دلَّ عليه أول الحديث؛ لأنه لما أعلمه بفقره أنه ليس عنده شيء لم يسقط عنه الكفارة؛ بل لما أتته الصدقة أمره أن يتصدق ليكفر عما ارتكب مِن جريمة عظيمة.
وكذلك إذا وجدت مَن يسب ويلعن ويطعن، وإذا وجدت مَن يكفر ويرتد كمَن يسب الدين أو يسب الله أو يسب الرسول، أو يستهزئ بالقرآن أو بالجنة والنار، أو يستهزئ بالصلاة أو بالصيام؛ فلا بد أن تنهاه عن الردة والكفر، وقل له قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) (التوبة:65-66) .
وليكن استدلالك دائمًا بآيات القرآن، واتل آيات القرآن على الناس؛ لا تقل لهم: الشيء الفلاني حرام وتسكت؛ فإذا سمعت -مثلًا- مَن يسمع المعازف فقل له: قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) (المؤمنون:3) ، أليس هذا لغوًا؟! وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) (القصص:55) ، وقال: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (لقمان:6). قُل له: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ: صَوْتُ مِزْمَارٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَصَوْتُ رَنَّةٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ) (رواه البزار، وحسنه الألباني) .
فإذا سمع الإنسان الآيات وكتب الله له الهداية، كان ذلك مِن أعظم أسباب توبته إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فلا تقل له: الشيء الفلاني حرام، وهو لديه فكرة سيئة أصلًا عن الملتزمين؛ فهم يحرِّمون كل شيء -كما تقول لهم وسائل الإعلام الفاسدة!- وغير ذلك مِن أنواع التشويه!؛ فلا يكن كلامك بغير دليل، قُل: قال الله، وقال الرسول.
وإذا وجدت متبرجة فقل: ( وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) (الأحزاب:33) ، ونحو ذلك؛ فذكر بالقرآن؛ فإن القرآن يتذكر به مَن يخاف وعيد الله، ونحن نظن في كل مسلم ومسلمة أن في قلبه مِن الخوف مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ- شيئًا -ولو كان شيئًا يسيرًا- يوقظ به في رمضان -بإذن الله- أضعاف ما يوقظ في غيره، والله المستعان.
وعليك بتدبر القرآن، وإحياء القلب بما ينبت فيه مِن أسباب حياته، مِن أعمال القلب الواجبة التي هي الإيمان والخوف والرجاء، والإخلاص والحب والشوق إلى الله -سبحانه وتعالى-، واليقين بلقائه.
أهم ما تبحث عنه حين تقرأ القرآن حب الله -سبحانه- وحب الأنبياء، وحب الملائكة، وحب كل مَن يعبد الله -عَزَّ وَجَلَّ- مِن الصالحين الذين صبروا واحتسبوا، وشكروا نعمة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وكل ذلك تأخذه مِن القرآن؛ اجعل لنفسك نصيبًا منه، لا تضيعه، واجتهد في طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ-.
وكذلك من أعمال البر والخير في رمضان: الاعتمار، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً ) (رواه مسلم)، فإذا يسر الله لك ذلك فاجتهد أن يحضر قلبك فيها، وأن تؤدي هذه المناسك متوجهًا إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالاستجابة، ملبيًّا بقلبك قبْل أن يلبي لسانك، شاهدًا فضل الله -عَزَّ وَجَلَّ- ونعمته، طائفًا قلبك بأمر الله وشرعه كما يطوف بدنك ببيته الحرام، واجعل عمرتك تجديدًا لشباب قلبك وحياته.