الفساد (12)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الاقتصاد الخفي والتنمية المستدامة (أهمية التنمية المستدامة)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهور مفهوم التنمية بوصفه بديلًا لمفهوم النمو الاقتصادي، مع الاعتماد على إستراتيجية التصنيع كوسيلةٍ لزيادة الدخل القومي، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة وسريعة.
وقد شمل مفهوم التنمية أبعادًا اجتماعية: كمعالجة الفقر، والقضاء على البطالة، وإشباع الحاجات الأساسية، والمشاركة الشعبية في إعداد الخطط التنموية .
وفي السبعينيات ظهر مفهوم التنمية الشاملة الذي يهتم بجميع جوانب المجتمع، وتحسين ظروف المعيشة، وعدم الاقتصار فقط على زيادة معدلات النمو الاقتصادي؛ نظرًا للتطور المادي الكبير في وسائل إشباع الحاجات مِن خلال استغلال الموارد البيئية المتاحة، وما ترتب عليها من تلوث ومشكلات بيئية خطيرة صارت تمثِّل تهديدًا لأشكال الحياة على الأرض، وتؤثر على المسيرة التنموية؛ مما غيَّر بدوره أساليب الإدارة المتبعة، وظهور مصطلح (التنمية المستدامة)، والذي استمد مضمونه مِن الإستراتيجية العالمية؛ لصيانة الموارد الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 1980 م، والتي حددت الأهداف التي يجب مراعاتها خلال عملية التنمية .
المراد بالتنمية المستدامة :
التنمية المستدامة هي: عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تلبي أماني وحاجات الجيل الحاضر دون التأثير على احتياجات الأجيال القادمة، فاقتصاديًّا هي الإدارة المثلى للموارد الطبيعية من خلال الحصول على الحد الأقصى من منافع التنمية الاقتصادية، بشرط المحافظة على خدمات الموارد الطبيعية ونوعيتها، أي استخدام الموارد الطبيعية اقتصاديًّا لإشباع حاجات الأفراد مع مراعاة الأجيال المقبلة في إشباع حاجاتهم مِن استخدام تلك الموارد، أي تحقيق أكبر قدرٍ ممكن مِن الارتقاء بالرفاهية الاجتماعية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية المتاحة؛ إنها تحدي إيجاد التكامل بين البيئة والاقتصاد يحد مِن تعارضهما الذي قد يؤدي إلى تدهور البيئة.
مِن خصائص التنمية المستدامة :
1- أنها تنمية طويلة المدى تخطط لأطول فترة زمنية قادمة، مع مراعاة البُعد الزمني والتنبؤ بالمتغيرات .
2- أنها تنمية تراعي تلبية احتياجات الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية والمجال الحيوي للكوكب الأرضي .
3- أنها تنمية في أولوياتها تلبية الحاجات الأساسية والضرورية الحالية مِن غذاء وملبس، وتعليم، وخدمات صحية، وتحسين نوعية الحياة المادية والاجتماعية .
4- أنها تنمية تراعي الحفاظ على عناصر ومركبات المحيط الحيوي في البيئة الطبيعية: كالهواء والماء ونقائها، وعدم استنزاف الموارد الطبيعية بما يضمن استمرار الحياة .
5- أنها تنمية متوازنة ومتكاملة تقوم على العمل داخل منظومة تحافظ على البيئة مع تحقيق التنمية المنشودة .
أبعاد التنمية المستدامة :
أبعاد التنمية المستدامة متعددة، ومنها :
1- الأبعاد الاقتصادية، وتتمثل في:
أ- خفض معدل استهلاك الفرد مِن الموارد الطبيعية، خاصة بين سكان الدول الصناعية المتقدمة .
ب- منع تبديد الموارد الطبيعية من خلال تخفيض استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية، وعبر تحسين مستويات الكفاءة، وتغيير أساليب الحياة وأنماط السلوك .
ج- حمل الدول الصناعية الكبرى -صاحبة المسئولية الكبرى عن التلوث العالمي والغنية بمواردها المالية والتقنية- على استعمال تكنولوجيات أنظف، واستخدام موارد أقل، مع توفير الموارد التقنية والمادية لتقوية التنمية المستدامة في الدول الأخرى خاصة الفقيرة والمتخلفة .
د- المساواة في توزيع الموارد الطبيعية، والحد من تفاوت الدخول، والتخفيف من أعباء الفقر، وتحسين مستويات المعيشة؛ مما يساهم في تنشيط عمليات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة .
هـ- خفض معدل الإنفاق على الأغراض العسكرية، وزيادة الإنفاق على احتياجات التنمية .
2- الأبعاد الاجتماعية، وتتضمن:
أ- إعادة توزيع السكان، والحد مِن معدلات الهجرة الداخلية إلى الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية، وتشجيع الانتقال إلى الأماكن ذات الكثافة السكانية المنخفضة، والاهتمام بالتنمية في الريف للحد مِن الهجرة منها إلى المدن .
ب- زيادة مشاركة أفراد المجتمع الجادة في الحكم بالمشاركة في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بحياتهم، مع تفعيل دور المرأة في المجتمع، والعمل على إدماج الجميع في عملية التنمية المستدامة، بما فيها التخطيط للمشاريع وتنفيذها .
3- الأبعاد البيئية، وتتمثل في:
أ- منع تجريف التربة الذي يؤثر على إنتاجها، والتقليل مِن استعمال المبيدات، والحد من تدمير الغطاء النباتي والمصايد .
ب- حماية الموارد الطبيعية والتوسع في الإنتاج لتلبية الاحتياجات الأساسية .
ج- ترشيد استهلاك المياه، ومنع استنزاف المياه الجوفية، أو تلويث المياه الجوفية أو السطحية بالنفايات الصناعية والزراعية والبشرية .
د- حماية المناخ من ظاهرة الاحتباس الحراري، والحد مِن المخاطرة بإحداث تغييرات كبيرة في البيئة أو تغيير أنماط سقوط الأمطار، أو التعرض للغطاء النباتي، حماية للفرص المتاحة للأجيال المقبلة .
4- الأبعاد التكنولوجية، وتتضمن:
أ- استعمال التكنولوجيا النظيفة في الأنشطة الصناعية للحدِّ مِن تلويث ما يحيط بهذه الأنشطة مِن هواء ومياه وتربة .
ب- الأخذ بالتكنولوجيا المحسنة، ومنها:
1- تقليل استخدام المواد الخام والطاقة بالاستخدام الأمثل للموارد، والتقليل من حجم المخلفات الناتجة من العمليات الإنتاجية .
2- إعادة استخدام مخلفات العمليات الإنتاجية بقدر الإمكان، كإعادة استعمال الزجاجات البلاستيكية للمياه المعدنية .
3- إعادة استخدام المخلفات الورقية والزجاجية والمعدنية لإنتاج منتجات أخرى، وهو ما يعرف باسم: (إعادة التدوير).
4- التخلص الآمن مِن المخلفات الصلبة والمخلفات الخطرة ومخلفات المستشفيات، بما يعرف باسم: تكنولوجيا الاسترجاع الحراري .
ج- الحد مِن انبعاث الغازات الملوثة للبيئة، من خلال الحد من استخدام المحروقات، وتوفير مصادر الطاقة البديلة النظيفة .
أهداف التنمية المستدامة :