الفساد (13)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
خصخصة القطاع العام وسيلة للإصلاح أم أداة للإفساد؟!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالخصخصة: مصطلح شائع في الاقتصاد المعاصر، خاصة بعد انهيار الأنظمة الاشتراكية، وتزايد المطالبة بعدم تدخل الدولة بعمق في الحياة الاقتصادية، وزيادة مساحة آلية السوق الحر، والتنشيط مِن دور القطاع الخاص في الدولة.
معنى الخصخصة:
المراد بالخصخصة: نقل ملكية المنشآت العامة وإدارتها مِن قطاع الأعمال العام إلى القطاع الخاص، مِن أجل تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، والاعتماد على آليات السوق ومبادئ القطاع الخاص. ويشمل القطاع الخاص كل رجال الأعمال والأفراد مِن المواطنين أو الأجانب، والمأمول مِن وراء ذلك ما يترتب على تحميل القطاع الخاص إدارة المنشآت العامة وتشغيلها مِن رفع كفاءتها مِن جهةٍ، والخفض مِن الإنفاق العام للدولة، والتوفير مِن جهود الدولة، بما يعود بالنفع على المجتمع.
فالخصخصة ليس لها نظرة فلسفية، وإنما هي سياسة اقتصادية يتم مِن خلالها إشراك القطاع الخاص في إدارة الملكية العامة للدولة.
التوسع في الخصخصة:
يذهب المتوسعون في الأخذ بالخصخصة إلى إمكانية الإبقاء على ملكية الدولة لمؤسسات القطاع العام مع مشاركة القطاع الخاص في العملية الاقتصادية مِن خلال الإيجار من الدولة، أو تولية إدارة محترفة هذه المنشآت مع بقاء ملكيتها للدولة، أو الحصول على امتيازات فيها، وذلك في فترة زمنية معينة تُقدَّر تبعًا للظروف الاقتصادية ومعطياتها.
وبهذا المفهوم الموسع للخصخصة يمكن أن تكون الخصخصة على مستويات، منها:
1- الخصخصة الكاملة: ويرمز لها في اللغة الإنجليزية بالرمز (بي. أو. أو)، وتعني البيع الكامل للمشاريع العامة، أي تحولها إلى الملكية الخاصة بالكامل، وتنازل الدولة عن حقها كله فيها.
2- الخصخصة الجزئية: ويرمز لها في اللغة الإنجليزية بالرمز (بي. أو. تي)، وتعني جعل المشاريع العامة تؤدي أعمالها ووظائفها كما لو كانت مشاريع خاصة، بأن تخضع لقواعد السوق التنافسية، كأن تعهد الدولة مِن خلال تعاقد مع جهات خاصة محترفة وذات كفاءة عالية بإدارة وتولي أمر بعض المشاريع العامة وفق قواعد العمل في الأسواق التنافسية لفترة زمنية، أي مع بقاء ملكيتها للدولة.
3- إلغاء الرقابة الحكومية على بعض الأنشطة الاقتصادية العامة: أي تحرير هذه المشاريع العامة من البيروقراطية الحكومية وقيودها، وربطها بقوة السوق وآلياته مباشرة.
ومن مظاهر هذا التوسع في الخصخصة: إلغاء سياسة التسعير الجبري للسلع والمنتجات، والاستغناء عن العمالة الفائضة في قطاع الأعمال العام، مع وضع أو تعديل التشريعات وقوانين العمل بما يتلاءم مع هذه التوجهات.
أهداف خصخصة القطاع العام:
تهدف سياسة خصخصة القطاع العام إلى زيادة دور القطاع الخاص في الدولة لما وراء ذلك من أهداف مأمولة، منها:
1- رفع الكفاءة الاقتصادية للدولة: حيث إن القطاع الخاص يتميز بالاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية المتاحة، ولديه احترافية وكفاءة في الإدارة، مع حرص على الجودة في الإنتاج للمنافسة في الأسواق، بما يمكنه غالبًا مِن تحقيق معدلات إنتاج مرتفعة، وجني أرباح عالية، وهذا بالطبع يعود على المجتمع ككل بالنفع.
2- ازدياد المنافسة وارتفاع الجودة وتوسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الإنتاج، والحفاظ على ذلك يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي وخفض الواردات، كما يفتح الباب لزيادة الصادرات، بل والدخول في المنافسة في الأسواق العالمية.
3- الزيادة في الصادرات وانخفاض الواردات يؤدي إلى خفض العجز في ميزان المدفوعات، وبالتالي توفير العملات الأجنبية للدولة.
4- دعم الموازنة العامة للدولة، وهذا مِن خلال:
أ- توقف دعم الدولة للمشروعات الخاسرة، أو غير المنتجة، أو التي تحتاج لتطوير غير متاح للحكومة حاليًا القيام به، ونقل ملكيتها للقطاع الخاص ليتولى معالجة وتحسين أحوالها.
ب- توجيه دخل هذا البيع لوحدات من القطاع العام إلى إنشاء مشروعات استثمارية جديدة تحتاج إليها الدولة، وتساهم في حل مشكلة البطالة، ويمكن أن يوجه جزء منها إلى سداد جزء من الدين العام، أو إلى دعم قطاعات الخدمات الأساسية، والاستثمار أيضا فيها خاصة التعليم والصحة.
ج- التخفيف من الأعباء الإدارية والمالية على الحكومة، وتوفير جهود وطاقات للحكومة، يمكن توجيهها إلى أنشطة اقتصادية ومشروعات أخرى.
5- مكافحة التضخم والسيطرة على الأسعار من خلال تقليص الإنفاق الحكومي، وزيادة استثمارات القطاع الخاص في المشروعات الإنتاجية، مع تفعيل وتعديل السياسات الاقتصادية النقدية والمالية.
6- توسيع وتطوير الأسواق المالية: إذ لا تتم الخصخصة بصورة جيدة إلا بوجود سوق متطورة للأوراق المالية تتسم بالشفافية والكفاءة يتم عن طريقها طرح أسهم وممتلكات القطاع العام للاكتتاب فيها.
7- تشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية من خلال توفير المناخ الاستثماري المناسب.
8- إيجاد فرص عمل على الأمد الطويل تساهم في حل مشكلة البطالة، وإعادة التوازن إلى سوق العمل.
9- إيجاد قيادات إدارية على درجة عالية من الكفاءة، تمتلك روح المجازفة والمنافسة والقدرة على الإبداع.
نظرة أخرى للخصخصة:
لا تحظى سياسة خصخصة الملكية العامة في الدولة للتأييد الكامل عند كل الاقتصاديين، فإنها تلقى معارضة وعدم تأييد عند أولئك الذين يؤيدون المحافظة على تقوية دور الدولة وتفعيله.
ومعلوم أن مدار الاقتصاد في العصر الحاضر يدور حول نظامين للاقتصاد:
1- النظام الرأسمالي الذي يميل إلى تقوية الملكية الخاصة على حساب الملكية العامة، ويرحِّب بسيطرة القطاع الخاص على أدوات الإنتاج في الدولة وبلا قيود.