الفساد (13)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
2- النظام الاشتراكي الذي يميل إلى سيطرة الدولة -دون القطاع الخاص- على أدوات الإنتاج، وهذه السيطرة إما سيطرة كلية، كما في الدول الشيوعية التي تمنع الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج بالكلية وتلغيها، أو سيطرة غير كاملة تحد مِن الملكية الخاصة وتقيدها دون أن تلغيها بالكلية كما هو في الدول الاشتراكية غير الشيوعية، ولكل نظام منهما توجهه وإيجابياته، ولكل منهما كذلك مساوئه وسلبياته، ولا يعني سقوط الشيوعية في الفترة الأخيرة أن النظام الرأسمالي هو الصواب الذي لا سلبيات فيه ولا مؤاخذات عليه؛ نعم الفطرة السوية والغريزة الإنسانية يوافقها وجود وتعزيز الملكية الخاصة لما فطر عليه الإنسان مِن حب التكسب والتملك والعمل لتنمية الأموال وتكوين الثروات له ولأبنائه من بعده، ولكن إطلاق العنان لهذه الملكية بلا حدود يحوِّل الحياة الاقتصادية إلى غابة يأكل فيها الغني الفقير، ويتحكم فيها القوي في الضعيف، فيضيع حق الفقراء الضعفاء بين الأغنياء الأقوياء.
لذا يجب وجود ملكية عامة قوية تساند المجموع وتتيح الحياة للجميع، وهذا هو دور الدولة والقطاع العام فيها الذي يمنع سيطرة الأغنياء الطاغية على الاقتصاد واستبدادهم بالأمور، ويحد أو يمنع الاحتكار والأثرة والنزعة الفردية في المجتمع، وهذا التفاعل بين الملكية العامة والملكية الخاصة في الحياة الاقتصادية وفق ضوابط ومعايير متزنة يحقق الحياة الرغدة للجميع، هو الذي ينبغي أن تقوم عليه الأمم، بعيدًا عن الأدوار المتباعدة بين دولة يتعاظم دورها الاقتصادي حتى يكاد أن يبتلع كل ما عداه، وهو ما يعرف بالدولة المنتجة، التي تأخذ على عاتقها مهمة القيام بالنشاط الاقتصادي كله، وبين دولة يقل ويخف دورها الاقتصادي حتى لا يكاد يذكر، كما هو الحال في الدولة الحارسة التي تترك مهمة القيام بالنشاط الاقتصادي كله للقطاع الخاص وآليات السوق.
ويُعد النظام الإسلامي النموذج الأمثل لتواجد الملكية العامة مع الملكية الخاصة، وتفاعلهما معًا، حيث تتولى الدولة مسئولية المحافظة على الملكية الخاصة وتنميتها، وكذلك المحافظة على الملكية العامة في ضوء المقاصد الشرعية التي مِن أجلها وُجدت، دون إسراف أو تبديد أو تقصير، فلا طغيان للملكية العامة على الملكية الخاصة الذي ثبت فشله فشلًا ذريعًا عند تطبيقه في النظم الاشتراكية، وأقر أصحابها بآثاره السيئة، وكذلك لا طغيان للملكية الخاصة على حساب الملكية العامة، فهو الذي أوقع الدول الغربية الرأسمالية في مساوئ كبيرة وعديدة نتيجة هيمنة وسيطرة الأفراد والمجموعات على الحياة الاقتصادية، وبالتالي إضعاف سلطة ولي الأمر في وضع وتحديد السياسات الاقتصادية والمالية.
ومِن منطلق التخوف مِن طغيان الملكية الخاصة والرغبة في الحد من المبالغة في سيطرته على اقتصاد الدولة: جاء اعتراض بعض الاقتصاديين على الخصخصة من جهة، وتنبيه أكثر الاقتصاديين من جهة أخرى على ضرورة وضع القيود والضوابط المناسبة لتحقيق التوازن بين القطاعين العام والخاص للاستفادة من دور القطاعيين في الدولة، ولحاجة المجتمع لكليهما، وهذه الضوابط ضوابط لا غنى عنها ومراعاتها عند الأخذ بسياسة الخصخصة لمنع تهميش دور الدولة واختزال وظائفها، وفي نفس الوقت الاستفادة مِن الأخذ بالخصخصة -عند الحاجة إليها- لإعادة هيكلة دور الدولة بما يزيد مِن تقوية دورها وحجمه حين تتزايد الأعباء عليها وتستنزفها بما فوق طاقتها -في فترة مِن الفترات- بما يعرضها للإنهاك أو الضعف أو عدم القدرة على القيام بكل ما عليها مِن أعباء، وهذا ينبع مِن الإيمان بدور الدولة وأهميته، ومن المعرفة الجيدة بدور الدولة ووظيفتها، وإمكانية الاستفادة من الخصخصة في تقوية دور الدولة وتفعيله بتخفيف الضغط الزائد عليها، والانشغال بأعمال وأدوار لا تمثل قمة الوظائف المنوطة بها، من خلال المشاركة في تحمل بعض العبء عنها في بعض المشروعات، ولكن بما لا يقلل مِن قدرتها على الإشراف والمتابعة والقيام بدورها في رسم السياسات الاقتصادية والمالية وحماية جموع الأمة في مواجهة أصحاب الأعمال والأموال المتحكمين في الملكية الخاصة دون الإخلال بحقهم في التملك والتكسب والإنتاج وتكوين الثروات بما لا يؤثر على المجتمع ككل، ويضيع على الفقراء والضعفاء حقهم في الحياة الكريمة وتمتعهم بحد أدنى مناسب من المعيشة، وهي مسئولية الدولة ومسئولية الأغنياء خاصة من خلال ما بينه الشرع الإسلامي من ضوابط، وما أوجبه على الأغنياء من حقوق للمجتمع عليهم.
ضوابط الخصخصة كوسيلة للإصلاح لا للإفساد:
مدار ضوابط الخصخصة لتكون أداة للإصلاح تدور حول أمور ينبغي مراعاتها عند تبني سياسة الخصخصة في دولة من الدول، بأن:
1- تكون الخصخصة للقطاع العام هي الحل الأمثل لاقتصاد الدولة الذي يحقق بالفعل عند تطبيقه العملي العائد المرجو مِن ورائه، وبالتالي عدم الاندفاع نحو الخصخصة كما لو كانت غاية؛ إذ إنها وسيلة للإصلاح وليست غاية في نفسها.
وهذا بالطبع يحتاج قبل التطبيق لدراسة عميقة وواعية للأوضاع الاقتصادية وتأثير الخصخصة عليها، وعدم الاندفاع في الأخذ بها أو المسارعة في تطبيقها قبل الدراسة الوافية لها ولكيفية تطبيقها على الوجه الأمثل، مهما كانت الضغوط الخارجية على الدولة من المؤسسات الدولية.
2- تتم الخصخصة بالأسلوب الأمثل في التطبيق، من حيث التدرج لإتاحة الفرصة الكاملة للتقييم، وحسن التصرف والتقويم، مع التأكد من خلو التجربة والتطبيق من أي شائبة من شوائب المحاباة أو المجاملة أو الرشوة، حتى لا تضيع حقوق الشعب وأمواله، وتتحول الخصخصة إلى باب للفساد والإفساد، والتفريط في الممتلكات بدون عائد في المقابل مجدي، وهذه تعتبر مسئولية أولي الأمر، الذين هم في مقام الوكالة عن الأمة.
3- يتم التصرف في دخل بيع القطاع العام بأقصى قدرٍ مِن الرشاد، وتحقيق أكبر قدرٍ مِن المنفعة القصوى للمجتمع، وهذا بالطبع يتطلب دراسة جيدة ترتكز على الكفاءة والأمانة والعدالة.