شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

نتناول في هذه المقالة بعض المسائل الخلافية المتعلقة بزكاة الفطر، كمسألة: جواز إخراج القيمة -وهي مسألة تتعلق بكل أنواع الزكوات-، ومسألة إخراج المكرونة -لا سيما عند مَن يقول بعدم إجزاء القيمة-، وهما مِن مسائل الخلاف السائغ.

والناس في زماننا في هذه المسائل الخلافية بيْن طرفين ووسط:

الطرف الأول: يجعل كل مسائل الخلاف مسائل ولاء وبراء، ولا يفرِّق بيْن مسائل الخلاف السائغ وغير السائغ!

والطرف الثاني: فريق يرفع شعار: "لا إنكار في مسائل الخلاف"، وهو شعار صحيح، ولكن مَن أطلقه مِن السلف هم مَن ألَّفوا المصنفات؛ كلٌّ يبيِّن ما ترجح له في فهم الأدلة في تفاصيل المسائل، ويتناول المذاهب الأخرى بالنقد والتحليل؛ مما ترك للأمة ثروة فقهية كبيرة.

ومنه نعلم أن نفي الإنكار في مسائل الخلاف إنما يعنون به:

أولًا: مسائل الخلاف السائغ دون الأقوال الشاذة التي بدَّع السف مَن قال بها، مثل: بدع الخوارج، والمعتزلة، وغيرهما.

ثانيًا: أنهم يعنون بترك الإنكار في مسائل الخلاف، عدم التبديع أو التفسيق أو التعنيف، وأما اجتهاد المسلم في إصابة الحق كلٌّ بحسبه -المجتهد بالنظر في الأدلة، وطالب العلم بالموازنة بيْن حجج المجتهدين، والعامي في سؤال مَن يثق بدينه وعلمه-؛ فلا يُمنع منه في مسائل الخلاف السائغ، بل إن هذا الاجتهاد عبودية في حد ذاته.

ويدل على ذلك: عمل الأمة منذ عصر الصحابة -رضي الله عنهم- إلى يومنا مِن تدارس مسائل الخلاف والمناظرة فيها، والحرص على أن يحقق كل فرد أقصى درجة مِن عبودية الاتباع، وبذل الوسع في إصابة الحق، وكان هذا عندهم أهم مِن تفاصيل الأقوال ذاتها، وتحقيق هذه العبودية مع استيعاب مَن يترجح لديه أقوال أخرى هو الوسط والاعتدال.

بيد أن هناك فريقًا أكثر تطرفًا: وهم مَن يستحسن قولًا وهو يعلم أن الأدلة لا تَشهد له فيرفع شعار: "لا إنكار في مسائل الخلاف" مِن باب التهرب مِن مناقشة المسألة مِن جهة الدليل، ثم إذا به فجأة يقلب القول الذي استحسنه إلى قولٍ واحدٍ ملزم للجميع!

وهذا نجده في بعض مَن يتبنى القول بجواز إخراج القيمة في الزكاة -وهو قول يقول به بعض أهل العلم-، ولكن بعض القائلين به يبدأ بضرورة فهم أن ثمة خلاف في المسألة ثم يُثنِّي بالسخرية مِن القول بعدم إجزاء القيمة في الزكاة مع أنه مذهب الجمهور، وظاهر الأدلة! حتى وإن كان بعض الأئمة يرى أن ثمة أدلة أخرى توسِّع مدلول هذه الأدلة وتبيِّن -مِن وجهة نظر هؤلاء الأئمة- أن العبرة إيصال مال -مِن أي جنس كان- إلى الفقير.

ورغم أن المسألة مِن المسائل المشهورة التي نجدها في مظانها مِن كتب الفقه بسهولة "فضلًا عن المؤلفات الخاصة التي عنيت بها"؛ إلا أننا نحاول في هذه المقالة أن نرتب الحديث عليها بطريقةٍ تقربها -بإذن الله- إلى ذهن القارئ، مع إلقاء الضوء على مسألة لم تكن تأخذ حظًّا كبيرًا مِن البيان، وهي: "مسألة إخراج المكرونة في زكاة الفطر"، وذلك أنه في ظل ارتفاع سعر الأرز عن معدله المعتاد أصبح هناك شريحة كبيرة مِن الناس لا تطيق إخراج الأرز، وبالتالي تفضِّل إخراج الدقيق، وحيث إن المكرونة دقيق مُصنع ونفعها في المدن أكثر مِن القمح والدقيق؛ مما دفع كثيرًا ممَن يعمل بإخراج زكاة الفطر طعامًا أن يدرج المكرونة ضمن البدائل التي يمكن إخراجها في زكاة الفطر؛ لذلك احتيج إلى درجة مِن تسليط الضوء على هذه المسألة.

هل يجزئ إخراج القيمة في الزكاة؟

هذه المسألة تطرح في زكاة المال وفي زكاة الفطر، كما تطرح في الكفارات التي فيها إطعام، وإن كانت مشهورة في زكاة الفطر أكثر؛ لزيادة معنى في زكاة الفطر يعضد مذهب المانعين من اخراجها قيمة، وهي: "أنها سُميت زكاة الفطر مِن رمضان"، فأضيفتْ إلى الفطر، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها "طعمة" للمساكين؛ إلا أن مِن المهم فهم أن المسألة أعم مِن هذا، وبالتالي فالبحث فيها عن الأدلة المتعلقة بكل صورها.

وعمومًا يمكن أن نقول إن للعلماء في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:

الأول: المنع مطلقًا، وهو مذهب المالكية والشافعية، ويُنسب للإمام أحمد، وينسب إليه أنه يجوِّز دفع القيمة للمصلحة.

الثاني: الجواز مطلقًا، وهو قول الحنفية، وقول عمر بن عبد العزيز مِن التابعين.

الثالث: الأصل عدم جواز القيمة، ولكن تجوز للحاجة، وبه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وينسبه إلى الإمام أحمد.

وإذا أردنا أن نرتب البحث في المسألة فيمكن ترتيبها على هذا النحو:

1- اتفق العلماء على أن الشرع قد فَرض الزكوات، وفرض كل زكاة مِن عين المال أو مِن جنسه؛ فزكاة الأنعام: أنعام، وزكاة الزروع: زروع، وزكاة النقود: نقود.

2- لا يخرج عن الأصل السابق زكاة عروض التجارة حتى مع القول بجواز إخراجها مِن النقود أو مِن العروض (البضائع)؛ لأن مال التجارة يتحول في أثناء الحول ما بيْن النقد والعرض، ولأنه حتى لو اصطلح على تسمية هذا الإذن قيمة؛ فهي قيمة مخصوصة في مسألة مخصوصة (وأمكن تعليلها بالعلة السالفة الذكر).

3- زكاة الفطر ليستْ مترتبة على مال معين، وإنما شكر نعمة الصوم والفطر، لكنها تشبه زكاة المال في أن الشرع حصرها في أصنافٍ محددةٍ، وبيَّن أن العلة منها أن تكون طعمة للمساكين كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ " (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني) ؛ ولذلك لم يخالِف أحدٌ مِن السلف أو الخلف في إجزاء الطعام.

الصفحة التالية