مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
4- اعتبر العلماء "عدا الظاهرية" أن الأصناف المعددة في حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَانِ النبي -صلى الله عليه وسلم- صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (رواه البخاري) ، وغيره مِن الأحاديث: أنها مِن باب الخطاب الخاص بالمخاطبين حينها، وأن الأصل هو قوله: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ"، وما بعده تفسير له بالأغلب في زمنه؛ بيد أن تعداد هذه الأصناف استفاد منه أهل العلم تقييد الطعام الذي يجزئ إخراجه في زكاة الفطر بما يُدخر ويعده الناس قوتًا أساسيًّا، وليس مطلق الطعام، وإن كان بعض أهل العلم قد ضيَّق الأمر أكثر مِن هذا؛ فاشترط أن تكون الزكاة مِن الحب أو الثمر المدخرين (يظهر الفرق بيْن القولين: في البلاد التي تستغني عن الحب تمامًا بغيره، كما في بلاد الإسكيمو -مثلًا- حيث يحل السمك عندهم محل القمح والأرز عند غيرهم، وعلى القول بأن ما صار قوتًا يصح إخراج الزكاة منه؛ فيصح في هذه البلاد إخراج السمك في زكاة الفطر، وعلى القول الآخر لا يصح).
فائدة: مِن هنا يُعلم أن إخراج اللحم أو الدجاج أو الزيت أو السمن أو غيره في زكاة الفطر في البلاد التي تعتمد على الحبوب لا يجوز إلا على مذهب مَن يجوِّز القيمة.
5- ومِن العرض السابق يتبين: أنه لا يجوز أن يَحتج مَن يقول بجواز القيمة على الجمهور الرافضين القائلين بعدم الجواز أنه إذا أدخلتم الأرز وغيره مِن الحبوب غير المنصوص عليها؛ فأدخلوا الدرهم والدينار؛ لما سبق بيانه مِن سبب توسع العلماء في إدراج أصناف غير التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بناءً على أنه -صلى الله عليه وسلم- ذكرها على سبيل المثال لا الحصر.
ويؤكِّد هذا: أن القائلين بالقيمة ينهجون نفس النهج في الأصناف التي تُؤخذ منها زكاة الحبوب والثمار، بل توسع بعضهم أكثر في أن الأصل عموم قوله -تعالى-: ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) (الأنعام:141) ، فقالوا بوجوب الزكاة في كل أنواع الحب والثمر المدخر، كما قال الجمهور، بل وزاد الحنفية: القول بوجوب الزكاة في الخضر والفاكهة.
6- فيتبين مما سبق: أن زكاة الفطر لحقت بزكاة المال في كون أن الشرع حصرها ابتداءً في أجناسٍ معينةٍ، فكما أن زكاة كل نوع مِن أنواع الأموال تُخرج مِن جنسه؛ فزكاة الفطر تخرج مِن جنس القوت، أو بصورةٍ أخص -في قول بعض أهل العلم-: "الحب والثمر المدخر".
7- وبعد أن تقرر ما سبق: يبقى السؤال حول "زكاة المال، وزكاة الفطر": هل يجوز للمتصدق أن يعدل عن المنصوص إلى ما يعادل قيمته نقدًا كان أو غير نقد، كأن يخرج النقود في زكاة الفطر أو يخرجها في زكاة الزروع، أو يجب عليه بقر فيخرج عوضًا عنه غنمًا يساويه في القيمة، وهكذا... ؟ أم أن هذا الامر غير جائز؟ أم أن الأصل فيه المنع، ويباح للحاجة؟
وللإجابة عن هذا السؤال نبحث عن الأدلة المحتملة على النحو التالي:
8- هل يوجد دليل عام في باب الزكاة ككل يدل على أنه يجوز إخراج القيمة في الزكاة؟
الجمهور على أنه لا يوجد مثل هذا الدليل، وبعض مَن يجوز القيمة يحتج بصفةٍ عامةٍ بقوله -تعالى-: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) (التوبة:103) ، وهو ليس صريحًا في المسألة كما هو ظاهر، بل الصحيح أنه لا دلالة البتة، بل هو مِن المجمل المبيَّن بغيره مِن الأدلة -كما سيأتي بيانه إن شاء الله-.
وأما في زكاة الفطر: فقد احتج القائلون بالقيمة بما ورد مِن روايات تغاير بيْن القمح وغيره مِن الأصناف، فتجعل أن المقبول منه نصف صاع، ومِن أجود هذه الراويات ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ" (رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب، وضعفه الألباني) .
ورغم أن الجمهور لهم مناقشات على دلالة هذا الحديث -على فرض صحته-؛ إلا أنه بالفعل لو صح لكان حجة قوية، وسيكون تأويله حينها أن كل هذه الأصناف كانت متقاربة القيمة بينما كان القمح على الضعف مِن ذلك، ويكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اعتبر القيمة، فجعل مقدار زكاة الفرد نصف صاع مِن القمح أو صاع مما عداه.
ولكن هذا لا يستقيم لسببين:
الأول: أن كل هذه الروايات لا تخلو مِن مقالٍ.
الثاني: معارضة هذا للصحيح الثابت مِن حديث أبي سعيد الخدري, قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ، فَتَكَلَّمَ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ إِنِّي لَأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ" (رواه مسلم والترمذي واللفظ له) ؛ فدل على أن القول بأن نصف صاع مِن قمح يعادل صاع مما سواه هو رأي رآه معاوية -رضي الله عنه-، وعرضه على الناس على أنه رأي منه، وأن أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- ردَّ عليه ذلك، ولو كان مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لما احتاج معاوية -رضي الله عنه- إلى أن يقدمه في صورة الرأي، ولما رده عليه أبو سعيد -رضي الله عنه-.
ولسنا في حاجة إلى تكلف جمع بيْن الأثرين، وأحدهما صحيح والآخر ضعيف، وقد حاول الشيخ الغماري كعادته في تصحيح ما يشهد لمذهبه بشتى الطرق، وغفل أن هذه الآثار ليست فقط ضعيفة، بل ومخالفة للآثار الصحيحة الثابتة.
9- هل يوجد دليل على أنه وقع في عصر النبوة أو في زمن الصحابة قضية واشتهرت لتصلح أن تكون دليلًا تشريعيًّا؟!