مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
كما سبق، رأينا أن الجميع متفقون على مشروعية إخراج الطعام، وأن مَن جوَّز القيمة لم يزد على أن جعلها خيارًا زائدًا لم يوافقه الجمهور عليه، وأن مَن حبذ القيمة حبذها انطلاقًا مِن شفقته أن يصل إلى الفقير ما يضطر إلى بيعه، ولكن إن اطلعتْ على مقرات الجمعيات الخيرية التي تخرج الطعام المرغوب فيه، المدخر الذي إن وسع الله قد يكفي الأسرة أسبوع العيد، بل شهره، بل أكثر مِن هذا، وكلها مِن الأصناف الجيدة التي يأكل منها الأغنياء، فيأكل الفقير قوتهم جنسًا وكيفًا، ورأيت كيف يتوافد الناس يسألون عن موعد التوزيع مرة بعد مرة خشية أن يفوتهم، ثم رأيتهم وهم ينصرفون بحقوقهم التي كتبها الله لهم، قريرة بها أعينهم - فستعلم أنه إن كانت القيمة جائزة عند فريقٍ مِن أهل العلم فهم لا يقولون جزمًا بلزومها، وأما مِن جهة الأفضلية: فقد علمت مِن التطبيق العملي أن المسوغ الذي مِن أجله فضَّل البعض القيمة لا وجود له -بفضل الله-؛ فلمَ تغامر بإخراج زكاتك على نحو يقول معظم أهل العلم بعدم إجزائه؟!
18- قال أبو داود: "قيل لأحمد بن حنبل وأنا أسمع: أعطي دراهم؟ -يعني في صدقة الفطر- قال: أخاف أن لا يجزئه؛ خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، والإمام أحمد -رحمه الله- لا يَخفى عليه أن المسألة فيها خلاف سائغ، بل هو نفسه ممَن جوَّز القيمة عند الحاجة (ولكن بضوابط سبق بيانها)، ولكن هذه كانت طريقة الأئمة والعلماء أنهم يعلمون أن مَن يسألهم إنما يسألهم عما يدينون لله به، وليس ما يدين به غيرهم؛ ننبه على هذا؛ لأنه صار في زماننا مَن لا يلزمك أن تبيّن وجه الاستدلال على ما تفتيه ولو مختصرًا، ولكن يلزمك في كثيرٍ مِن الأحيان أنك لو استدللت بظاهر نص حملته أنت على ظاهره لأنك لم تجد ما يقتضي تأويله، وأوَّله بعض أهل العلم، فيلزمك حينها أن تتوسع في ذكر هذا التأويل بدعوى محاربة التعصب.
نعم تأدب الإمام أحمد مع المخالف فقال: "أخاف ألا يجزئه"؛ لعلمه أن السائل إنما عمل بالقيمة بناءً على فتوى مِن غيره.
19- قال الإمام أحمد: لا يعطي قيمته. قيل له: يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة. قال: يدعون قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: قال فلان؟! قال ابن عمر -رضي الله عنه-: "فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... "، وقال الله: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (النساء:59) ، وقال: قوم يردون السنن، قال فلان، وقال فلان!".
ما أحوجنا في هذه الأزمنة أن نرد للديل هيبته، وأن نجعل مِن قول الإمام أحمد هذا منهجًا لحياتنا، ومِن قبله قول حبْر الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- حينما قال عروة لابن عباس: "أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ تُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلْ أُمَّكَ يَا عُرَيَّةُ، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَلَمْ يَفْعَلَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذِّبَكُمُ اللَّهُ، أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتُحَدِّثُونَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ؟! فَقَالَ عُرْوَةُ هُمَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَتْبَعُ لَهَا مِنْكَ" (أورده ابن عبد البر في ''جامع بيان العلم وفضله'' (2377)، وابن القيم في ''الزاد'' (2/206) مِن طريق عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب، قال: قال عروة به. وصحح إسناده محققا ''زاد المعاد'') .
كل هذا يؤكد اهتمام السلف بتكريس تعظيم الدليل عند السائل، وألا يقولوا بيْن يدي قال الله وقال رسوله: قال فلان أو فلان! ولو كان القائل البخاري -رحمه الله-، بل لو كان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، بل ولو كان معاوية -رضي الله عنه-، بل ولو كان القائل أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-.
وهذا ليس نفيًّا لرخصة المقلد في أن يسأل أهل الذكر، ولكنه الأدب مع الكتاب والسُّنة، والحرص على أن المسلم إن استطاع أن يكون على بينةٍ مما يدين به لله وما يطبقه مِن دين الله؛ فهو الأصل الذي لا محيد عنه.
20- غير أنه ينبغي أن تسد الذرائع؛ لا سيما في هذا الزمن الذي كثر فيه تطاول الأقزام على العلماء، فإذا نقلنا مثل هذه النقول المشار إليها في النقطة السابقة؛ فلابد أن نذيلها بالتذكير بفضل أهل العلم وحُسن الأدب معهم، وواجب المسلم في مسائل الخلاف؛ كلٌّ بحسب رتبته، ويجمل في المسائل التي يُخشى أن تسبب منازعات أن يُبين إذا ما كان فيها خلاف سائغ، وبيان أدب التعامل معه.
وليحذر مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي مِن الوقوع في أعراض العلماء أو إطلاق أقوال قد يُستفاد مِن عمومها الطعن في بعضهم، كمَن يقول: "لا يقول بالقول الفلاني إلا مَن اتبع هواه!" أو نحو ذلك مِن الأقوال، كما يجب الحذر مِن كل مناقشة لا تفيد لأصحابها علمًا وأدبًا.
ولنتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .
نسأل الله -تعالى- أن يهيئ لنا مِن أمرنا رشدًا، وأن يفقهنا في ديننا، ويرزقنا العمل به.
إنه ولي ذلك والقادر عليه.