مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
14- كثير مِن الناس يفتي بجواز (النقد بدلًا مِن الطعام في زكاة الفطر) عملًا بمذهب القيمة، وبعلة أن النقد أنفع مِن الطعام ثم هو نفسه يفتي بمذهب القيمة أيضًا، ولكن في الاتجاه العكسي (الطعام بدلًا مِن النقد) عندما يفتي بجواز دفع الزكاة لبنك الطعام مثلًا، وهو مما يؤكد اضطراب الحاجة التي يعتبرها البعض مسوغة للعدول عن أصل الزكاة المفروضة إلى قيمتها.
ويُستفاد مِن هذا أيضًا، ومِن توجّه معظم دول العالم لإنشاء بنوك طعام أنه مِن غير المطابق للواقع إطلاقًا: ادعاء أن الفقير يحتاج إلى أمور أخرى أكثر مِن الطعام، كما يؤكد أن حاجات الناس متنوعة بحيث إنه لو خرجت كل الزكوات كل واحدة مِن جنسها لغطت تلك الحاجات المتنوعة بفضل الله -عز وجل-.
وبالتالي فالقول في زكاة النقود أن تخرج نقدًا؛ إلا إذا وجدت حاجة طارئة بالمعنى المبيَّن سابقًا، ومِن ذلك فتوى التالية اللجنة الدائمة للإفتاء (وهي مِن الهيئات التي تتبنى مذهب الجمهور في عدم جواز إخراج القيمة في الزكاة):
سُئلت: "نحب أن نستوضح مِن سماحتكم عن موضوع صرف مبالغ مِن الزكاة لشراء مواد غذائية منوعة وعينية: كالبطانيات، والملابس، وصرفها لبعض الجهات الإسلامية الفقيرة، مثل: السودان وأفريقيا، والمجاهدين الأفغان، خاصة في الحالات التي لا تتوفر المواد الغذائية بأسعار معقولة في تلك البلدان، أو تكاد تكون معدومة فيها كلية، وإن توفرت فيها فهي بأسعار مضاعفة عن الأسعار التي تصلهم بها لو أرسلت عينًا. نرجو إفادتنا، جزاكم الله خيرًا بما ترونه حيال ذلك.
فأجابت: "إذا كان الأمر كما ذكر فإنه لا حرج في ذلك؛ مراعاة لمصلحة مستحقيها" (انتهى مِن "فتاوى اللجنة الدائمة" (9/ 433) .
15- مِن العدل والإنصاف: "نظرية بنظرية، وتطبيق بتطبيق":
مِن أكثر صور عدم الإنصاف أن يُقارن أحدهم الصورة المثلى عنده بالصورة الواقعية عند مخالفه، فيقول مَن يحبذ العمل الفردي مثلًا: أنا أنهى عن التعصب و... (وهو هنا يتحدث عما يدرسه لتلاميذه لا عن سلوكهم)، ثم يقول: وأما أنتم يا أصحاب العمل الجماعي فقد فعل فلان كذا، وقال فلان كذا... (وفي الأعم الأغلب سيكون فلان وفلان هؤلاء ممَن يحتاجون إلى أن يتعاهدهم هو وغيره بالنصيحة في هذا الأمر وفي غيره؛ لحداثة سنهم أو عهدهم بالعلم أو الدعوة)، وربما نقل بعضهم عن بعض، ويعتري النقل مبالغات أحيانًا أو عدم ضبط أحيانًا أخرى حتى تجد حكايات هي أشبه بالأساطير!
وفي المقابل: لو بحثت عن "واقع" طلابه لربما وجدت أن الغلو والتعصب فيهم -رغم نهي شيخهم عنه- أشد، بحكم تمحورهم حول شيخ واحدٍ وأستاذٍ واحدٍ، بل ربما حاكوه في عاداته بما يشبه صنيع الطرقية مع شيوخهم، ولا شك أن ما مِن فكرة إلا ويعتريها عند التطبيق خلل؛ لجهلٍ مِن البعض، وتقصير مِن البعض الآخر، وكما ذكرنا في بعض الأحيان يزيد فيه الناقلون ويتوسعون.
ولكن الواجب أن نناقش كل فكرة مِن حيث هي، ثم نناقش الانحرافات في التطبيق، وهل هي مِن جنس الانحرافات التي تعتري أي فكرة عندما تنزل على أرض الواقع للجهل مِن البعض، والتقصير مِن البعض الآخر؟ أم أن الانحراف بسبب أن الفكرة صعبة التطبيق، ولا بد وأن تتحول إلى تلك الصورة الواقعية المستنكرة.
وفي مسألتنا يتداول كثيرٌ مِن القائلين بالقيمة قصة امرأة فقيرة (مرة مِن مصر ومرة من سوريا، ومرة مِن بلد ثالث، وهكذا... ) دفع إليها بعض المتشددين زكاة فطرهم شعيرًا (يخفف بعض رواة القصة مِن الطابع الأسطوري لها بجعلها قمحًا، وبالطبع غير مطحون!)، وحيث إن تلك الحبوب مما لا نفع مباشر فيه، فقد طافت تلك المرأة بها على المحلات بغرض بيعها، والتجار يساومونها بأبخس الأسعار! ويبالغ بعضهم أحيانًا في ذكر تفاصيل تجعلك تسأل عن الراوي: أيروي عن مشاهدة أم عن سماع؟ وفي أي كوكب في مجرتنا السماوية حدثت تلك الوقائع؟!
وبعيد عن الأجواء الاسطورية التي تحتف بكثيرٍ مِن رواية هذه القصة، وعلى التسليم بأن لها أصلًا صحيحًا فنقول لهم: الأمر يسير؛ فمَن وجد مَن يخرج زكاته على هذا النحو؛ فمِن الممكن أن يقول له: إن كنتَ تريد أن تطبِّق الحديث وتتبع مذهب الجمهور، فقد بيَّن لك الحديث أنها طعمة للمساكين، فهل أنت تطعم الشعير حتى تطعمه الفقير؟!
وإذا كنت لا تطيق إلا سعر القمح فأخرجه دقيقًا، واعف الفقير مِن مؤنة طحنه، أو لو كنت في المدن فأخرج ما يكافئه مِن المكرونة، وإن وسَّع الله عليك وأنت تعلم أن معظم الناس يخرجون الدقيق والأرز؛ فأخرج للفقير حَبًّا آخر ما يطعمه الناس: كالفاصوليا، واللوبيا، والعدس، أو...
وكذلك مَن وجد أن بعض المتصدقين يخرجون بأكياس الطعام إلى صلاة العيد فيدفعونها إلى أول سائل، وغالبًا مَن لا يكون فقيرًا مما يحرم الفقراء منها، (مع أن هذه الآفة لا تختص بصورة إخراجها طعامًا، بل كثير ممن يخرجها قيمة يقع في هذا، فتجد الواحد منهم إذا ألح عليه سائل وهو في طريقه دس يده في جيبه فأخرج له قيمة زكاته ودفعها له، وهو يكاد يجزم أنه ليس مِن الفقراء!).
وعلاج هؤلاء وأولئك أن يعلموا: أن الشرع رخَّص في إخراج زكاة الفطر قبْل العيد بيوم أو يومين؛ ليتمكن المزكي مِن تحري الفقراء، وأن الشرع جوَّز الوكالة في هذا الباب؛ ليستعين المزكي بإخوانه أو بالجمعيات الخيرية في زماننا لإيصال زكاته إلى المستحقين إن كان يجهل الطريق إليهم.
17- هل في المسالة قول أحوط مِن آخر؟
علمنا الخلاف في المسألة، والناس فيها كغيرها مِن المسائل: مجتهد ينظر في الأدلة ويستنبط، أو طالب علم يمكن أن يكون له نظر في المسألة بعد الاطلاع على أقوال المجتهدين، وعامي يقلد أوثق مَن لديه؛ سواء لم يطق إلا أن يعرف الحكم بيجوز أو لا يجوز، أو عرف معه وجه استدلال مفتيه، وهو أفضل بلا شك.
هذا إذا أردنا الترجح بين الأقوال، وإذا كان هناك فرصة للاحتياط؛ فهو أولى بلا شك، فهل هذه المسألة فيها قول أحوط مِن آخر بحيث يقال: إن الأولى أن يطبقه الإنسان حتى لو لم يكن راجحًا عنده؟!