شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد- عيد الفطر المبارك 1440هـ

صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- تقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.

- وكأننا لم نفرغ مِن التذكير بقدوم شهر رمضان والاستعداد لاستثماره، فإذا بنا نفاجأ بأن أيامه قد انقضت؛ ولعل هذا مِن علامات نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ذكر أن مِن علامات الساعة: "تقارب الزمان".

- هذا أمر مشاهد، فالساعات والدقائق تمر كما هي، ولكن يقل شعور الناس بمرورها، ويقل ما يلمسونه بين أيديهم مِن آثارها بعد انقضائها.

- فإذا أضفتَ إلى هذا: أن هذه الأمة أعمارها قصيرة أصلًا مقارنة بمَن سبقها مِن الأمم علمتَ تأويل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ ) (رواه البخاري) .

- ولو وقف كلُّ واحد مع نفسه ثم نظر في الـ 24 ساعة، وأخرج منها ساعات النوم، وتناول الطعام، وخلافه، ونظر فيما بقي مِن وقتٍ، وكم منها يصرف في أمور الدين، وكم منها يصرف في عمارة الدنيا، وكم يصرف في اللهو المباح، وكم يصرف منها في اللهو المحرم لازداد يقينًا بأن الأصل في جنس بني الإنسان الخسارة في استثمار أوقاتهم وأعمارهم، كما قال -تعالى-: ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر) .

- وأنه مما يندى له الجبين: أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون يومه أدنى مِن أمسه في السير إلى الله -ومِن ذلك مَن عرف قيمة وقته فأصبح يستثمره في النافع من الدين والدنيا مع الاستجمام بين الحين والآخر استجمامًا خفيفًا يروِّح به عن نفسه-، فإذا به يغرق حتى أذنيه في مشاهدة لهو غيره، وهو أمر لا يستفيد منه في تقوية بدن ولا استجمام نفس، بل يزيد النفس توترًا وربما جرَّها إلى العصبية الجاهلية والتنابز بالألقاب.

- ورغم كل ما نشاهده مِن صعودٍ وهبوطٍ في معدلات الالتزام بشرائع الإسلام في قطاعاتٍ عريضةٍ مِن الأمة؛ فإننا نوقن أن الأمة ككل تعيش حالة صحوة بحيث أصبح واقعها أفضل بكثير -بحمد الله تعالى- مِن الحالة التي تركها الاحتلال الأجنبي عليها، أو الحال التي حاولت كتابات المستشرقين أن توصل الأمة إليها.

- لقد أتى على الناس زمان وقد عمَّت الخرافة بلادَ المسلمين، وانتشرت كثيرٌ مِن صور الشرك مِن سؤال غير الله تفريج الكربات وقضاء الحاجات، والغلو في الصالحين، وما يستتبع ذلك مِن الطواف بالقبور والتبرك بتربتها، والتمسح بحديدها، وغيرها مِن صور الخرافة.

- ولقد وفق الله علماء أهل السُّنة وهم -كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: "يعرفون الحق ويرحمون الخلق"، فوفقهم الله إلى بيان أن هذا مِن الشرك الذي أتى محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- لمحاربته، وأنه منافٍ للأصل الذي اتفق كل الأنبياء عليه من دعوة أقوامهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

وفي ذات الوقت رحموا هؤلاء الخلق واعتبروا أصل الاسلام الذي معهم مِن أنهم أقروا بالشهادتين والتزموا بأنهم لا يعبدون إلا الله وإن جهلوا أن كل هذه الصور مِن العبادة، وبالتالي لم يكفِّروا عوام الأمة، وإنما عذروهم بجهلهم طالما لم تقم عليهم الحجة، وعندما يوجد العلم ينقشع الجهل، وينتشر التوحيد، ويزول الشرك -بفضل الله عز وجل-.

- ومصداقًا لقوله -تعالى-: ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) (الليل:4) ، فبينما كان العلماء والمصلحون والمجددون، مثل: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، والإمام الصنعاني، والإمام الشوكاني، ثم محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيح ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني، وغيرهم عبْر القرون الثلاثة الأخيرة مِن عمر الأمة يصححون تلك العقائد ويعيدون الأمة إلى اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعيدون الفقه إلى أنه معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها بحيث تأمن الأمة مِن انحرافات المنحرفين "وبل ومِن زلات العلماء"؛ كان هناك المستشرقون وأذنابهم يستثمرون هذه الخرافات في تثبيت الادعاء بأن الدِّين ما هو إلا خرافات أو -على أحسن الأحوال- "فلكلور"، ولا يصلح لقيادة الحياة! ومِن هنا وجدت العالمانية الخبيثة طريقها إلى بلاد المسلمين.

- لقد ظلت الأمة في تدافع بين يقظة وصحوة وعودة إلى النبع الصافي -الكتاب والسُّنة- مِن جهة، وبين خرافة الخرافيين من جهة، وتمرد الحداثيين العالمانيين مِن جهاتٍ أخرى.

- ولكن في الجملة: فإن درجة وعي الأمة قد زاد حتى صار مَن يريد أن يدافع عن ممارسات الصوفية ونحوهم، يضطر إلى تأويل ما ورد مِن قصصهم وحكاياتهم وقولهم بسقوط التكاليف، وادعائهم أن الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم لا يقصدون ما يتبادر إلى الذهن مِن هذه العبارات، وكم كنا نتمنى أن تتوجه هذه الجهود إلى الحشود التي ما زالت تؤم المَشاهِد وهي تتصرف نفس التصرفات التي يتبرأ منها مَن يتبرأ.

- كما زاد وعي الأمة بخطر العالمانية حتى إن العالمانيين أنفسهم اُضطروا إلى الاختباء خلف كلمة مدنية، فمِن فضل الله على هذا الجيل في مصر، بل في العالم الإسلامي أجمع أن يصوت البرلمان المصري على أن استعمال كلمة مدنية في الدستور المصري يعني: "لا عالمانية - لا ثيوقراطية - لا عسكرية"، بل والتأكيد على مرجعية الشريعة الإسلامية.

- ولا شك أن تحكيم الشريعة في الأفراد والمجتمعات والدول مِن أهم شُعب الإيمان، قال -تعالى-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقال: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) (الأحزاب:36).

- نذكر هذا مع علمنا أن الأمة أمامها الكثير مِن التحديات على صعيد الشبهات وعلى صعيد الشهوات.

الصفحة التالية