الفساد (14)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فساد خصخصة القطاع العام في عهد مبارك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيُعد بيع القطاع العام أو خصخصته أحد الوسائل التي تلجأ إليها بعض الحكومات لتخفيف الأعباء الاقتصادية عليها، وهي تعد أيضًا خطوة في اتجاه السوق الحر وتشجيع التنافس فيه، وترتبط عملية الخصخصة بقضية هامة تتعلق بدور الدولة في المجتمع، وهي: هل الخصخصة تقليص وتهميش لهذا الدور أم أنها إعادة هيكلة لاقتصاد الدولة يساعدها على إعادة توزيع وتوجيه طاقاتها فيما هو أفضل لها، إلى جانب الاستفادة مِن القطاع الخاص في تقوية اقتصاد الدولة بمشاركته وتفاعله مع الدولة في إدارة وحدات الإنتاج ورفع كفاءتها؟
وظيفة الدولة:
لا تقتصر وظيفة الدولة على إنشاء وإدارة وحدات الإنتاج العام، بل وظيفتها أكبر مِن ذلك، فالقطاع العام جزء مِن وظيفة الدولة يقوم فيها بدوره في خدمة المجتمع، الذي هو الواجب الملقى على عاتقها، وبناءً على هذا الدور يكون التعامل الأنسب مع القطاع العام وقضية الخصخصة.
فالدولة من الناحية الاقتصادية تحتاج إلى تملك وسائل للإنتاج العام، وإقامة اقتصاد قوي وزيادة الموارد حتى تستطيع أن تكفل حدًّا أدنى مِن المعيشة الكريمة لكل أفراد المجتمع ومواطنيه، وهي المهمة الرئيسية للدولة التي ينبغي أن تسعى إليها. واقتصاد الدولة عرضة من دولة إلى أخرى -بل ومن فترة إلى أخرى في نفس الدولة- للتبدل والتغير مِن حيث الحجم والقوة، وفي جميع هذه الأحوال ينبغي أن تقوم الدولة بدورها في رعاية المجتمع والحفاظ عليه وخدمته، بشتى الوسائل والطرق المناسبة والممكنة.
إن على الدولة توفير الخدمات الأساسية للمجتمع: مِن الدفاع عنه، وحفظ الأمن، وتحقيق العدل، وإيجاد المرافق العامة ذات الخدمات الضرورية التي لا غنى عنها من شبكات الطرق والجسور، ووسائل المواصلات والاتصالات والمياه والكهرباء، وكذلك توفير ما تمس الحاجة إليه مِن التعليم والرعاية الصحية العامة والعلاج، وعلى الدولة كذلك وضع الإطار العام المناسب للنشاط الاقتصادي في المجتمع مِن خلال سياسات مالية ونقدية، وسياسات تجارية داخلية وخارجية؛ لكونها المسئولة عن توفير الأوضاع الكفيلة بإقامة اقتصاد كفء للدولة.
ومع السماح بوجود أنشطة للقطاع الخاص في المجتمع تتحمل الدولة مسئولية الإشراف على هذا القطاع الخاص والنظر في شئونه من باب الإعانة له والتقويم، ولحماية المجتمع أيضًا من أي سلبيات تتعلق بزيادة وتضاعف أنشطة القطاع الخاص، مِن الاحتكار والغش والتعاملات التي يشوبها خلل؛ إذ إن القطاع الخاص له دوره وحقوقه وحريته، ولكن بما لا يتعارض مع سياسات الدولة ووظيفتها وصالح المجتمع.
ومِن خلال ذلك: تحقق الدولة التوازن الاقتصادي والاجتماعي مع تشغيل كل الطاقات واستغلال كل الموارد وتنمية وسائل تقوية الاقتصاد.
ضوابط عامة للخصخصة:
اللجوء إلى خصخصة أي وحدة مِن وحدات القطاع العام أو مشروع مِن مشروعاته الاقتصادية كوسيلةٍ للإصلاح، يستلزم مراعاة أمور؛ لئلا تتحول الخصخصة إلى وسيلة للإفساد لا الإصلاح، ومنها:
1- أن تكون هذه الخصخصة للوحدة أو المشروع هي الحل الأمثل، لتعذر الإصلاح بدونها، أو أن هذا الإصلاح إن وُجد فلن يحقق العائد الذي ستحققه الخصخصة، مع الأخذ في الاعتبار أن لا يمثِّل هذا المشروع العام أهمية قومية بالنسبة للمجتمع.
2- أن تتم هذه الخصخصة بالأسلوب الأمثل من حيث التقويم الجيد، وعقد صيغ عقود بيع أو إيجار أو إدارة جادة، مع إتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في هذه الخصخصة، ولو عن طريق طرح أسهم مناسبة في بعض هذه الوحدات، خاصة للعاملين فيها، مع التجنب التام لأي شبهة للمحاباة أو المجاملة أو الرشوة أو الهدايا، وهذا يتطلب حسن اختيار القائمين على هذا الأمر، ومتابعتهم ومراقبتهم، ومراجعة ما فعلوه، ومحاسبتهم على ما قدموه.
3- أن يتم التصرف الحكيم في الأموال المأخوذة من هذه الخصخصة، وذلك باستثمارها فيما يحقق أقصى درجة من الاستفادة الممكنة، وذلك بتوجيهها إلى مشروعات إنتاجية أخرى جديدة يعود نفعها على الاقتصاد القومي، مِن تطوير تكنولوجي، وزيادة حجم الإنتاج وجودته، والتخفيف من مشكلة البطالة، وبالتالي لا توجَّه هذه الأموال في سد عجز للمديونية أو سداد لديون أو نفقات حكومية أو زيادة الاحتياطي في البنك المركزي، ونحو ذلك، فهذا توجه قاصر يقدم حلًّا وقتيًّا سريعًا عاجلًا، ولا ينظر للمستقبل، ويساهم في إضعاف الاقتصاد القومي لا في تقويته؛ لذا لا يكون التوجه إليه إلا عند الحاجة الشديدة وفي أضيق الحدود.
4- ألا يترتب على خصخصة الوحدة أو المنشأة تضييع حق الأمة، سواء للجيل الحالي فيها أو للأجيال القادمة.
الخصخصة في عهد مبارك:
للأسف الشديد جاءت الخصخصة للقطاع العام في عهد حكم مبارك بصورةٍ سيئةٍ للغاية، ترتب عليها التفريط غير المقبول في حقوق الأمة، في وقت كانت هي فيه في أشد الحاجة لهذه الحقوق الضائعة.
بدأت عملية الخصخصة بعد عام 1991م استجابة لاتفاقٍ جرى مع صندوق النقد الدولي مقابل إسقاط نصف ديون مصر الدولية بعد موقف مصر مِن حصار العراق ومحاربته عام 1991م عقب غزوه للكويت.
جاءت البداية باستقدام مكاتب وشركات لتقييم وتثمين أصول 380 شركة مِن شركات القطاع العام، وقد شاركت في عملية التقويم مكاتب من أوروبا وأمريكا، وتم إخفاء طابعها مِن خلال مشاركة بعض خبراء وأساتذة اقتصاد وإدارة أعمال ومحاسبة مصريين، وقد تفاوتت التقديرات لهذه الشركات حول القيمة السوقية لأصول وممتلكات تلك الشركات فتراوحت بين 300 مليار جنيه و500 مليار جنيه بأسعار ذلك الوقت، وعلى ذلك فهي في أقل التقديرات لا تقل عن 300 مليار جنيه.