الفساد (14)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد أسفرت التجربة بعد مرور أكثر من 17 سنة على عمليات البيع والخصخصة كما أشارت التقارير الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات عن بيع 194 شركة من هذه الشركات بنحو 1و50 مليار جنيه، أي أن تقريبًا نصف عدد الشركات المعروضة للبيع (194 شركة من 380 شركة معروضة)، وهي الشركات الأكثر ربحية فيها، قد تم بيعها بأقل من نصف أقل قيمة مقدرة لها (1و50 مليار جنيه) بدلًا من (150 مليار جنيه هي نصف الـ300 مليار جنيه المقدرة لكل الشركات المعروضة)، بما يعني إهدار نحو 100 مليار جنيه مِن المال العام، في مقابل عمولات وهدايا وما شابهها ذهبت لكبارٍ مِن المسئولين في الوزارات، ومِن رجال البورصة، ومن رؤساء شركات قابضة؛ وهو ما دفع الجهاز المركزي للمحاسبات للقول في تقريره: "إن بيع الأصول المملوكة للدولة كان يتم بأقل مِن قيمتها الحقيقية، مما يمثِّل إهدارًا للمال العام" (تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن حصيلة الخصخصة وأوجه التصرف فيها منذ بدايتها حتى 30 / 6 / 2006 م)، راجع في ذلك: (اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين 1974 م – 2010 م؟) - عبد الخالق فاروق - ط. مكتبة الأسرة 2012 م - الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص: 47 - 48) .
وزاد مِن سوء الأمر: أن هذه الشركات التي تم بيعها كان الكثير منها يتم عن طريق تمويل بقروضٍ مِن المصارف المصرية، بما يعني عدم زيادة جادة في سوق الاستثمارات والاستفادة من رؤوس أموال ومدخرات، وارتبطت هذه القروض بقضايا فساد ونصب في بعضها. هذا إلى جانب ما تم مِن تشريد وتسريح لعمالة منها أصحاب خبرات ومهارات؛ بالإضافة إلى ما تم من تسقيع أراضي وحدات منها لبيعها بعد سنوات بأسعارٍ مرتفعة تفوق بكثير الثمن الذي تم شراؤها به.
يقول الأستاذ عبد الخالق فاروق: "وتتمثل عمليات نهب الممتلكات العامة في موضوع الخصخصة من خلال ثلاث آليات متكاملة، هي:
الأولى: تقييم الأصول الإنتاجية والممتلكات - بما فيها الأراضي الفضاء والعقارات - بأقل من قيمتها السوقية.
الثانية: تمويل معظم عمليات الشراء من خلال قروض البنوك.
الثالثة: تسقيع الأراضي والعقارات المملوكة لهذه الشركات تمهيدا لبيعها" (المصدر السابق، ص:48) . ويضيف معلقًا: "إنها أكبر عملية احتيال ونصب وإهدار للمال العام منذ عهد الخديوي إسماعيل!".
ويقول د.مصطفى السعيد مبينًا الأثر السلبي للخصخصة التي تمت في عهد مبارك: "صاحب الاتجاه نحو اقتصاديات السوق وتحرير التجارة والاندماج في الاقتصاد العالمي الدعوة إلى خصخصة القطاع العام، وتبنت الحكومة هذه الدعوة... إلا أن التطبيق العملي لسياسات الخصخصة لم يكن متفقًا مع هدف تعظيم الاستثمار، وفي حالات كثيرة أدى إلى انخفاض في حجم الموارد المتاحة للاستثمار" (راجع: الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة، د. مصطفى السعيد، ط. مكتبة الأسرة - دار الشروق - 2003 م - ص: 49) .
ويوضِّح ذلك بأن: "الحكومة لجأت إلى سياسة تجميد القطاع العام إلى أن يتم خصخصته، فتوقفت استثمارات القطاع العام، وتوقف تحديثه وتوسيعه، مما أدَّى إلى تعطيل طاقاته الإنتاجية وتخلف إنتاجياته، وعدم قدرته على تحقيق فائض، بل وزيادة خسارة الكثير مِن وحداته. وكان أحرى بالحكومة أن تبادر إلى خصخصته لتحميل القطاع الخاص مسئولية تطويره وتحديثه، ولكنها لم تفعل، وتركت الكثير من وحدات القطاع العام تتدهور اقتصادياتها دون خصخصتها، ويصدق ذلك على قطاع الغزل والنسج".
ويضيف: "أن الحكومة تصرفت في عائد الخصخصة، أي عائد ما تم بيعه، على نحو من شأنه أن يقلل الموارد المالية المتاحة للاستثمار... ففيما عدا الحالات القليلة التي تم تمويل شرائها عن طريق موارد من الخارج، فإن معظم ما تم خصخصته من شركات قد تم تمويله محليًّا من مدخرات أو عن طريق تسهيلات ائتمانية من البنوك المصرية، ومِن ثَمَّ لم تؤدِ هذه المدخرات أو التسهيلات الائتمانية إلى خلق طاقات إنتاجية جديدة، بل اُستخدمت لتمويل طاقات إنتاجية قائمة بالفعل... هذا في الوقت الذي عقمت فيه الحكومة ما حصلت عليه مِن أموال نتيجة ما تم خصخصته مِن وحدات القطاع العام، وذلك باستخدامها في تمويل المعاش المبكر أو سداد قروض القطاع العام أو تحويلها إلى حساب البنك المركزي. وهكذا لم تعد هذه الأموال للتدفق مرة أخرى في شرايين الاقتصاد في صورة استثماراتٍ جديدةٍ".
ويعلق على ذلك بقوله: "وبذلك تكون النتيجة النهائية لسياسات الخصخصة التي اتبعتها الحكومة هي تخفيض الموارد المتاحة للاستثمار، مما ساهم فيما نعانيه من ركود وبطالة" (المصدر السابق: 49 - 50) .
ويؤكد د.مصطفى السعيد على ذلك في موضعٍ آخر فيذكر: "إن سياسات الخصخصة التي طُبقت في مصر منذ أوائل التسعينيات يرد عليها تحفظان أساسيان.. هما:
أ- أنه منذ بدء تطبيق هذه السياسات توقفت الغالبية من شركات قطاع الأعمال العام عن القيام باستثمارات جديدة أو حتى استثمارات للإحلال والتجديد، وذلك دون أن تنتقل ملكية الكثير من هذه الشركات، خصوصًا في قطاعات مهمة: كقطاع الغزل والنسج، وقطاع السلع الهندسية، حتى الآن إلى القطاع الخاص... الأمر الذي أدى إلى تدهور وإهلاك أصول هذه الشركات وضعف إنتاجيتها، وأفقد الاقتصاد قدرًا لا يُستهان به مِن طاقاته الإنتاجية.
ب- أن حصيلة وعائد الخصخصة لم يتم إعادة ضخه بالكامل في استثماراتٍ تزيد مِن الطاقات الإنتاجية المتاحة، ولكن تم تعقيمه بإنفاقه على المعاش المبكر لتقليل العمالة في وحدات قطاع الأعمال العام التي تجري خصخصتها، أو تحويله إلى البنك المركزي لاستخدامه في الحد مِن عجز الموازنة العامة، أو في تمويل زيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي... الأمر الذي ساهم في تقليل الموارد المتاحة للاستثمار" (المصدر السابق، ص 97- 98) .
ولتصحيح تلك الأوضاع يقترح د.مصطفى السعيد بعد النصح بالتريث والتروي -مع عدم البطء والتلكؤ؛ حفاظًا على حقوق العاملين، ولمنع التسرع بالبيع بأقل من السعر العادي-: