شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كلهم خوارج... هذا يسفك دمًا وذاك يطعن في سنة!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أعظم الحرمات التي جاءت الشريعة بحرمتها "حرمة الدماء"؛ قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (النساء:93) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) (رواه البخاري) ، وقال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "إِنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" (رواه البخاري) .

ويزداد الأمر بشاعة إذا كان المقتول قد قُتِل غدرًا وغيلة، ويزداد كذلك إثمًا ووزرًا إذا كان المقتول يؤدي عملًا فيه نفع للأمة بصفة عامة، ولذلك فإن الحوادث الإرهابية التي يُقتل فيها بعض جنودنا وهم يؤدون دور الحراسة تثير لدى كل منصف الغضب والحنق على الفاعل، والحزن والأسى على الضحايا، والمساندة والتضامن مع أسرهم؛ كل هذه ردود أفعالٍ طبيعيةٍ لكل مَن نوَّر الله بصيرته.

ومع كل حدث يتم الكلام على وسائل العلاج، وكيف يمكن تجفيف منابع الإرهاب؟

والإرهاب ليس كله مستندًا إلى الدين، وثمة عمليات إرهابية تنفذها أجهزة مخابراتية للدول المعادية، وثمة عمليات إرهابية دوافعها إجرامية، مع اعترافنا بأن عددًا كبيرًا ممَن ينفِّذون عمليات إرهابية "لا سيما في سيناء" ينسِبون أعمالهم زورًا وبهتانًا إلى الإسلام، ويعتقدون كفر الحكومات الإسلامية، ومِن ثَمَّ يكفِّرون الجيوش، وربما الشعوب بأسرها!

والعالم الغربي رغم مسئوليته عن نشأة وبقاء كثيرٍ مِن هذه التنظيمات "ولو عن طريق الدعم اللوجيستي غير المباشر" لنشر الفوضى في بلاد المسلمين، ولإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، لكنه عندما يكتوي بنيرانه عادة ما يخرج صقوره ليطالبوا بمحو الإسلام مِن الوجود والقضاء على المسلمين، ومنع تداول المصاحف، وغيرها مِن المطالب الخرقاء الهوجاء!

ثم تخرج حمائمهم لتقول لصقورهم رويدًا رويدًا... لا تغالوا في مطالبكم، يكفينا فقط منع تدريس آيات الجهاد، والآيات التي تبيِّن كفر كل ملة غير ملة الإسلام، وأما السُّنة فيمكن أن يُعاد تقييم الصحيح مِن الضعيف ليس باعتبار قوة الواسطة التي بين جامعي كتب السُّنة وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن حيث أمانتهم وحفظهم، ولكن يعاد التقييم مِن حيث موافقة أهواء الغرب أو مخالفتها، ومِن ثَمَّ فيجب أن يَنسى المسلمون أن "صحيح البخاري" هو أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى-؛ لأنه نال تلك المرتبة بمعايير اتفقت عليها الأمة، واتفقت على أن البخاري طبَّق الدرجة العليا منها، وهم لا يريدون تلك المعايير، بل يريدون أن يجعلوا أمة الإسلام تتبع الهوى.

وهكذا، فكلما حدث حادث؛ هاجم بعض الغرب الإسلام والقرآن، وهاجم بعضهم البخاري ومسلم، وهاجم البعض الآخر أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمهم الله-.

وأما شيخ الإسلام "ابن تيمية" فحدِّث ولا حرج، فهم لا يكادون يتوقفون عن نقده، وكأن حقدهم على الإسلام وعلى أبطاله الذين استعملهم الله في إذلال الإمبراطورية الرومانية: عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد -رضي الله عنهم-، وموسى بن نصير وطارق بن زياد، وسيف الدين قطز والظاهر ببيرس والناصر صلاح الدين -رحمهم الله-، فكأن غيظهم على كل هؤلاء قد اجتمع ليخرج على صورة غل وحقد على شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه وإن كان كل هؤلاء قد كَسروا شوكة إمبراطورية الروم قديمًا فإن بناء النظام العالمي الموحد تحت قيادة الغرب وبنظم حياة عالمانية لا يكاد يقف أمامه إلا مَن تربَّى على كتب ابن تيمية، وعرف أن في دين الإسلام يصطلح العقل والنقل، ولا يتعارضان قط إلا في وهم متوهم، أو نظرة سطحية لناظر سرعان ما يدرؤها علم عالم، ونظرة متفحص متأمل.

وحول استغلال الغرب لتلك الحوادث لكي يطعن في الاسلام ذاته دارت كلمة شيخ الأزهر الشيخ "أحمد الطيب" في كلته في احتفال ليلة القدر 1440هـ، ومما جاء فيها قوله: "ونقطة فارقة أخرى تظل حجر عثرة في طريق الحوار بين الإسلام والغرب، هي: حرص رؤساء المسلمين وملوكهم وأمرائهم وعلمائهم ومفكريهم على إدانة جماعات الإرهاب، بكُلِّ لافتاتها وانتماءاتها، والحكمُ الجازم عليهم بأنَّهم فِرَقٌ ضالَّةٌ مارقةٌ مِن الدِّين كما يمرق السهم مِن الرمية، وأنَّ جرائمَهم ومجازرهم إنَّما تحصد مِن أرواح الأبرياء مِن الرِّجال والنِّساء والأطفال المسلمين أضعاف أضعاف ما تحصده مِن غير المسلمين... ومع ذلك لم يفلح كل ذلك في تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في نظر الغرب وأمريكا؛ لأن المطلوب هو: "إدانة الإسلام" ورميُه بأفظع البذاءات والاتهامات! وتصويره بأنه "دين قادم مِن عصور الظَّلام، يعادي المنطق والحداثة، وأنه النظام الثقافي الوحيد الذي ينتج القاعدة وداعــش وأخــواتها وحفدتها، وهو دينُ صُـــوَرِ الانتحـاريين، واختطاف الطـائرات، والاغتيالات والانتفاضات، إلى أوصاف أخرى يعف اللِّسان والمقام عن ذكرها!".

إذًا هذا موقف الأعداء وهو وإن لم ينسجم مع ادعائهم الأمانة والنزاهة العلمية؛ فهو منسجم مع عداوتهم التي قال الله -تعالى- في شأنها: ( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) (آل عمران:118) .

ولكن البلاء الأعظم كان من هؤلاء الذين قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ) (متفق عليه) ، فيتكملون بلسان أبناء الأمة أن الأزمة تكمن في "ابن تيمية"؛ فلما ظنوا أن الكذبة راجت انتقلوا إلى "الإمام أحمد" متهمين إياه بالتشدد دون الأئمة الثلاثة قبله، فلما ظنوا أن الكذبة راجت طعنوا في الأئمة الأربعة، فلما ظنوا أن الكذبة راجت طعنوا في كتب السُّنة والتي ليس فيها إلا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة التالية