كلهم خوارج... هذا يسفك دمًا وذاك يطعن في سنة!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم أغراهم أنهم ينتقلون مِن كذبة إلى أخرى ولا يعقِّب عليهم معقب، أن يطعنوا في أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى-: "البخاري ومسلم"، بل تجرأ الكثيرون منهم بالطعن في الصحابة -رضي الله عنهم-، سواء كان الطعن مِن بنات أفكارهم أو نقلوه عن الشيعة -قبحهم الله-.
إن هؤلاء القتلة الذين يقتلون جنودنا هم مِن الخوارج بلا شك، ويدخل في الخوارج مِن باب أولى: هؤلاء السبابون الطاعنون في حَمَلة شريعتنا منذ الصحابة -رضي الله عنهم- مرورًا بالتابعين وتابعيهم، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وعلى رأس هؤلاء: "أئمة الفقه": الذين كتب الله لهم لسان صدق في الأمة، وجعل الأمة في شرقها وغربها تلهج بالثناء عليهم، وذكرهم بكل حسنٍ وجميل.
وأئمة الحديث: الذين نقلوا إلينا أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأننا نراه وهو يصلي، وهو يحج، وكأننا نراه وهو يعامل الكبير والصغير، والقريب والبعيد، ونراه كيف كان رقيه في حروبه يوم حارب، وكيف كان وفاؤه بعهده يوم سالم؟!
ومما نقله إلينا هؤلاء الأعلام بداية نشأة الخوارج، وكيف كان طعن جدهم الأكبر في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكيف طعن الجيل التالي منهم في الخليفة الراشد عثمان -رضي الله عنه-، ثم كيف كان خروجهم على الصحابة بالسيف!
روى الإمام البخاري في صحيحه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خص قومًا مِن المؤلفة قلوبهم بشيء مِن الغنيمة يتألفهم: فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلاَ تَأْمَنُونِي )، فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ، أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ ).
فانظر كيف اعترض هذا الجاهل برأيه، وبدلًا مِن أن يسأل فيما استشكل عليه مِن فعله -صلى الله عليه وسلم- كما حدث مِن الصحابة -رضي الله عنهم- في حوادث مشابهة، ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا )، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: ( تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (متفق عليه) .
فأسعدهم الله بالجمع بين العلم والأدب، بينما اجتمع لذلك الخارجي الجهل والكبر وسوء الأدب، وهي أمور متى اجتمعت في إنسان فقد أورد نفسه المهالك!
وهكذا فعلوا ثانية لما استشكل عليهم بعض اجتهادات عثمان -رضي الله عنه- فراحوا يحاكمون تاريخه الذي لم يشهدوه، ولم يكفهم شهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالجنة، ولا رضا النبي -صلى الله عليه وسلم- به زوجًا لابنتيه واحدة بعد الأخرى!
حتى بلغ مِن غبائهم أن ينكروا عليه تخلفه عن بيعة الرضوان -بزعمهم!- وهو إذ ذاك يغامر بنفسه ليكون رسول رسول الله إلى قريش، وهي في ثورة غضبها حتى شاع أنه قُتل، فكانت البيعة على القتال لو ثبت أن قريشًا قَتلتْ عثمان -رضي الله عنه-.
ثم كان ظهور هؤلاء كفرقةٍ مارقةٍ بعد ما ألَّف الله بين قلوب الصحابة وتصالحوا، فادَّعى هؤلاء لأنفسهم أنهم أعمق فهمًا مِن مجموع الصحابة أجمعين، وفيهم علي -رضي الله عنه-، وهو يومئذٍ أفضل رجل على ظهر الأرض بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فرفضوا ذلك الصلح وطعنوا في التحكيم!
وهنا خرج الخوارج كفرقةٍ وانتقلوا مِن الطعن العام إلى التكفير، فكفَّروا خيرَ الخلق بعد الأنبياء، ثم انتقلوا مِن التكفير إلى القتال، والصحابة مع هذا يناظرونهم ويدعونهم، ويردون باطلهم، ويحلمون عليهم إلى أن رفعوا السيف، وحينئذٍ لم يكن هناك بدٌ مِن قتالهم.
وبالتالي فالعجب ممَن يرمي الصحابة -رضي الله عنهم- بأن جذور الخوارج تعود إليهم! (وهم مَن اُبتلي بهم، فصبروا صبرًا عظيمًا، وضربوا أعظم المثل في أن تتقي الله فيمَن لا يتقي الله فيك، وأن تصبر على مَن بَغَى عليك!).
وأما الإمام "أحمد بن حنبل": فقد تعرض على أيدي المعتزلة ومَن وافقهم مِن الخلفاء لأشد أنواع التنكيل والسجن والحبس، ومع هذا فقد ضَرب أعظم المثل في الحفاظ على الأوطان، رغم الضيم والظلم الذي تعرض له، ونهى أتباعه عن الخروج عن هؤلاء الخلفاء مع ظلمهم وبغيهم على عقيدة الأمة ابتداءً، ثم عليه هو شخصيًّا حين انبرى للدفاع عن تلك العقيدة.
وأما البخاري: فمِن أعجب الأمور أن يُنسب إلى البخاري شيء، وكتابه الذي اشتهر به ليس إلا كتاب أحاديث للنبي -صلى الله عليه وسلم-!
فمَن يزعم أن شيئًا ما مِن الباطل موجود في صحيح البخاري فلينتبه أن البخاري ليس له مِن هذا الكتاب إلا الجمع والتنقيح، وأن الكتاب هو ذكر لأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقد يقول قائل: ومِن أين أتينا بهذه الثقة في أن البخاري قد أصاب في عملية التنقيح هذه؟!
والإجابة: أن ضوابط القبول والرد هي نتاج اجتهاد جماعي للأمة مِن قبل عصر الإمام البخاري -رحمه الله-، وأن الإمام البخاري أعلن أنه سيطبِّق في صحيحه هذا أعلى درجات القبول لتكون هذه الأحاديث التي تنطبق عليها هذه المعايير العليا كالمرجع لضبط وفهم غيرها مِن الأحاديث، التي تنطبق عليها أيضًا معايير القبول، وأن الأمة لم تسلم للبخاري دعواه حتى أجرى عددٌ كبيرٌ مِن اللاحقين عليه مراجعة لمدى انطباق الشروط العليا التي اشترطها البخاري على كل الأحاديث التي أوردها في كتابه.