كلهم خوارج... هذا يسفك دمًا وذاك يطعن في سنة!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وأن جمعًا كبيرًا قد سلَّم للبخاري بأن كل ما ورد في كتابه ينطبق عليه أعلى درجات الصحة، وهناك مِن انتقد حديثًا أو عددًا مِن الأحاديث تعد بالأحاد، وليس بالعشرات، وكل مَن انتقد عليه شيئًا مِن هذا إنما انتقد أنها لا تبلغ ذات الدرجة العليا مِن القبول، وإن بقيتْ مقبولة.
فحصل مِن هذا إجماع الأمة عبْر تاريخها على أن أحاديث البخاري هي في أعلى درجات الثقة في نسبتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فليست القضية في الإمام البخاري -رحمه الله- وحده وإن كان جبلًا أشمَّ؛ لو وجد عند الأمم الأخرى مَن يَبلغ نصفه أو ربعه؛ لعدوه مِن عظماء التاريخ، ولكن القضية في "صحيح البخاري" وما اكتسبه مِن ثقةٍ مِن علماء الأمة عبر التاريخ، ولم يشذ عن هذا إلا الباطنية والشيعة، ثم المستشرقون في العصر الحديث وأذنابهم مِن بعدهم.
ولنضرب لك مثالًا:
عندما يأتي خبير الخطوط ليبحث مدى صحة توقيع شخص ما على وثيقة في قضية قانونية، فأنت هنا لا تتحدث عن هذا الشخص بقدر ما تتحدث عن بحوث تراكمية في قواعد هذا الفن، وأن شخصًا متقنًا لهذه القواعد سيقوم بتطبيقها، وإذا انتهى هذا الشخص إلى صحة نسبة الوثيقة إلى صاحبها صار هذا الحكم منه حجة يعمل بها في القضاء في أنفس وأعراض وأموال.
ثم هب أن قضية ذات أهمية قصوى تحتوي على آلاف المستندات دفعتْ إلى خبير في غاية التمرس انتقى منها ستة آلاف وثيقة جزم بنسبتها إلى أصحابها، ثم لم يقتصر الأمر على هذا حتى تتابع على مراجعة هذا الجهد خبراء آخرون، فمنهم مَن يوافق على كل هذه الستة آلاف، ومنهم مَن يبدي تحفظًا على واحدة أو اثنتين من هذه الوثائق، أو عددٍ محدودٍ أنها مع ثبوتها لا ترقى في وضوحها وثبوتها إلى درجة الآخرين.
ثم إذا علمتَ أن كل ما يمكن أن يُقال: إن درجة ثبوته دون الباقي هو مما يمكن أن يستغنى عنه، ولم يمر إلا كتوثيق إضافي لوثيقة مِن الرتبة العليا، فيكون الحاصل أن هناك اتفاقًا مِن كل مَن يحسِن هذا الفن ويتقن قواعده على أن هذه الوثائق من الثبوت بمكان بحيث يمكن أن يقضي بما فيها بمنتهى الثقة والحزم.
إذًا صحيح البخاري يمثِّل مجموعة مِن الأحاديث التي وثقت الأمة عبر العصور في صحة نسبتها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي فمَن ظن في شيءٍ منها أنها تخالِف العقل أو المنطق، أو تكرِّس لسلوكٍ شائن أو فكر منحرف؛ فعليه أن يستغفر الله وان يسأل أهل العلم عما يستشكل عليه مِن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- "فإنما شفاء العي السؤال".
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: فمِن الطبيعي أن يكرهه أعداء الأمة، وأن يعتبروا جهاده ضد التتار والصليبيين إرهابًا! وأن يعتبروا ثورته على الخرافة التي أَغرقوا فيها الأمة تطرفًا!
ولكن سبحان الله!
يبقى على مرِّ التاريخ مَن يقرأ سيرة الرجل، يقف عندها موقف المعجب بتجديده الدين -أي: إحياء سننه وليس إماتتها لصالح سنن الأعداء فيسجل هذه، ومنهم مَن لا يعتبر بحالٍ مِن الأحوال، ولعل مَن هؤلاء الكاتبة الصحفية "سناء البيسي" التي كتبت في الأهرام في عام 2015م مقالة تفيض إعجابًا بشيخ الإسلام ابن تيمية وجهاده في ميدان القلم، وفي ميدان السيف (سيفًا رفع في وجه أعداء الأمة، وليس في وجه أبنائها كما يفعل بعض الجهال الذين ينسبون أنفسهم إليه ويصدِّق الغرب هذا جهلًا أو بالأصح تجاهلًا للفرق بين الجهاد الشرعي وبين قتال الفتنة الذي يحدثه هؤلاء-، راجع مقالة: "مَن سرق ابن تيمية" للكاتبة سناء البيسي على هذا الرابط:
http: //www. ahram. org. eg/News/111556/4/401125/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D9%85%D9%8E%D9%86%D9%92-%D8%B3%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%AA%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9%D8%9F. aspx
والخلاصة: أن "رأس الخوارج" طَعنَ في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم طعنت الأجيال التي تلته في الصحابة ثم انتقلوا مِن الطعن إلى التكفير ثم القتال.
ويبقى الطعن في السُّنة وفي علماء السنة وحَمَلة الدين هي السمة الأبرز لخروج بعض هذه الأمة على ثوابتها وعلى اجماعها وعلى جماعتها، وسواء اكتفى هؤلاء بسهامهم الفكرية المسمومة أو أضافوا إليها قتلًا أو قتالًا، فهم خوارج على الأمة، وعلى الأمة أن ترد سهامهم الفكرية ببيان الثوابت والدفاع عنها، ونشر محاسن أعلام الأمة مِن الصحابة والتابعين، وائمة الفقه والحديث، ومجددي دين الأمة عبْر التاريخ.
تنبيه:
الهجوم على الصحابة والأئمة وصحاح كتب السُّنة اتخذه بعضهم قضية حياته -ولبئس ما يضيع فيه حياته!-، والبعض الآخر ربما دخل فيه مقلدًا أو مرددًا دون دراية!
ومع هذا، فهذه المقالة وغيرها لا نريد منها إلا تحذير عموم الأمة مِن هذه الأقوال المنحرفة، ودعوة هؤلاء وأولئك إلى أن يراجعوا مواقفهم، آملين لكل مَن تبيَّن له الحق أن يسارع إليه، وأن يبيِّن للناس، وأن يكون ممَن قال الله -تعالى- فيهم: ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:160) .