الفساد (15)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
صور مِن فساد برلمان مبارك (1-2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كتب الكاتب الصحفي "محمد المصري" في كتابه: (كواليس الفساد في برلمان مبارك) عن صورٍ رآها وعاشها بنفسه داخل البرلمان تبيِّن الفساد الذي ساد البرلمان في عهد الرئيس الأسبق "مبارك"، وهو يضع بذلك شهادة ممَن عاش في كواليس هذا البرلمان طوال عمره الصحفي كله، بحكم عمله كمحررٍ برلماني على مدى أكثر من 35 سنة عاشها تحت قبة مجلس الشعب، عاصر فيها أحداثًا جسامًا غيَّرت وجه مصر.
قال: "شاهدتُ آلاف النواب في مجلسي الشعب والشورى على مدى هذه السنين، واستطعت أن أفرِّق بين النواب الذين جلسوا تحت القبة بالصدفة، والذين ينافسون أبا الهول في صمته... "، "... وشاهدت نوابًا كانوا يدفعون ملايين الجنيهات مِن أجل الفوز بكرسي البرلمان ليتمتعوا بالحصانة، ويحققوا مِن خلال هذا الكرسي مصالحهم الشخصية بحكم قربهم مِن صُناع القرار، أو لمجرد الوجاهة الاجتماعية، أو تحقيق النعرة القبلية، وكنت أرى نوابًا ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا نوابًا (إمعة)، يقولون للحزب: نعم إذا قال نعم، ويقولون: لا إذا جاءتهم التعليمات بأن يقولوا لا، وعاصرت نواب المخدرات"، "ونواب القروض والنقوط والتأشيرات والمحمول، والنائب الصايع، ونواب (عبده مشتاق)، وهم الذين يشتاقون إلى كرسي الوزارة".
"وعاصرت نوابًا مِن الذين يمكن أن نطلق عليهم: نواب كل العصور، ويلعبون على كل الحبال... ويظن الناس في خارج القاعة أنهم معارضون شرفاء وعصاميون... والحقيقة أنهم كانوا أبعد ما يكونون عن الشرف والأمانة"، "ولكنهم -للأسف- كانوا يؤدون دور المعارضة تحت القبة استكمالًا للشكل الديمقراطي فقط"، "وكان أعضاء عصابة مبارك تحت القبة يجيدون توزيع الأدوار بينهم، ويقودهم المخرج العظيم الذي جلس على منصة مجلس الشعب لمدة 21 عامًا، فهو العالم الجليل وصاحب المؤلفات الضخمة في القانون الجنائي"، "وإن سبب تمسك مبارك به أنه كان يحقق له كل ما يريد مِن قوانين وتشريعات يكبل بها البلد" (راجع: كواليس الفساد في برلمان مبارك، محمد المصري ط. كتاب اليوم - أغسطس 2014 م، ص: 7، 8، 9، 12 بتصرف) .
وللتعرف على مدى ما يكون في أي برلمان مِن فسادٍ يَلزم معرفة ما ينبغي أن يكون عليه البرلمان، وكيف يكون انحرافه عما جُعل له؛ فالبرلمان هو السلطة التشريعية، وهي إحدى السلطات الثلاث، والسلطتان الباقيتان: السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ووظيفة البرلمان: سن القوانين ومراقبة أعمال السلطة التنفيذية ومحاسبتها. ويتكون البرلمان من نواب عن الأمة، يتم انتخابهم بالاقتراع السري، حيث تقسم البلاد إلى دوائر انتخابية، لكل دائرة منها مَن يمثِّل أهلها بانتخابه بالأغلبية.
تقسيم الدوائر الانتخابية:
أكثر التقسيمات شيوعًا ما يكون فيها عدد الناخبين في كل الدوائر متساويًا إلى حدٍّ كبيرٍ، ولكن اختلاف الحجم بين دائرة وأخرى كان -ولا يزال- مشكلة كثيرة الحدوث؛ لعدم التناسب بين حجم دائرة وأخرى، وتقوم لجان سياسية محايدة بوضع حدود الدوائر الانتخابية، أو إعادة تقسيم هذه الحدود بما يتفق مع التغيرات التي تطرأ على عدد السكان هنا أو هناك. ووجه الفساد أن يقوم الحزب الحاكم باستخدام السلطة لتعديل توزيع الدوائر وتقسيمها ليحافظ على بقائه في السلطة، فيركز مؤيدي المعارضة في عددٍ قليلٍ مِن الدوائر التي لهم فيها شعبية، بينما يعطي لنفسه عددًا كبيرًا مِن الدوائر يكون له فيها الأغلبية مِن المؤيدين، فيحصل على أكبر نصيبٍ مِن المقاعد البرلمانية، كما يمكن لمَن في السلطة أن يؤثروا على تقسيم الدوائر حيث يختارون لأنفسهم دوائر شبه خالية من أي شعبية للمعارضين، ويقوم التلاعب في تقسيم الدوائر الانتخابية على حشد الناخبين المؤيدين لأحزاب المعارضة في عددٍ صغيرٍ مِن الدوائر، بينما يوزع ناخبو الحزب الذي يتم التلاعب لحسابه في دوائر كثيرة تحقق له الأغلبية في هذه الدوائر.
مثال للعبة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية وقع في دائرتين انتخابيتين متجاورتين في دلتا النيل، كان الأصل في تقسيمهما أن كلًا منهما مركز شرطة؛ إلا أن أحدهما أكبر مِن الثاني، فكان مِن المنطقي عند تقسيمهما إلى دائرتين أن يضاف جزء مِن الأكبر إلى الأصغر كي تتقارب الدائرتان حجمًا. وفي انتخابات ديسمبر 1990م تم إعادة الجزء الأكبر الذي أضيف إلى مركز الشرطة الأصغر ليصبح هذا الأخير دائرة انتخابية قائمة بذاتها، بدعوى الزيادة السكانية، ثم تم تقسيم مركز الشرطة الأكبر إلى دائرتين انتخابيتين، بخط تقسيم يجعل بلدة المنافس الذي يتم التلاعب لصالحه في دائرة، ويجعل بلدة مَن ينوي منافسته في الانتخابات في دائرة أخرى، أي تم إبعاد المنافس الذي له شعبية في بلدته عن طريق المنافس المطلوب إنجاحه، وهو ما تحقق بالفعل. (راجع: الموسوعة في المصطلحات السياسية والبرلمانية، محمد عتريس - مكتبة الآداب - القاهرة ط. 2014 م - ص: 167 - 170) .
التحكم في دخول البرلمان:
في عهد مبارك كانت عملية الفساد البرلماني تبدأ مبكرًا قبل الانتخابات، ثم مع وبعد الانتخابات، والتي غالبًا ما تكون في كثيرٍ مِن الدوائر انتخابات صورية، يتحكم فيها الحزب الحاكم (الحزب الوطني) في كل مراحلها، ويحصل فيها على الأغلبية المطلوبة لإصدار القوانين والتشريعات.
أما معايير اختيار المرشحين فكانت تقوم على اختيار مرشح قائمة الحزب الذي سيحصل على الأغلبية بالطبع مِن:
1- المقربين إلى قيادات الحكم أو الحزب، فالاختيار يغلب عليه الطابع الشخصي لا الكفاءة الموضوعية في الاختيار.
2- كبار المتبرعين للحزب أو مِن بعض قياداته المؤثرة فيه، بصرف النظر عن ماضيه، فلم يكن غريبًا بعد ذلك أن يكون منهم تجار مخدرات أو متهربين مِن الخدمة العسكرية أو من البلطجية.
3- من قيادات أجهزة الأمن أو المخابرات العامة السابقين، أو من المتعاملين معها في تاريخه الطلابي أو الجامعي أو العمالي أو الصحفي، كما كانت تتعرض الانتخابات للتدخل الإداري والبوليسي المباشر بالتلاعب في الجداول الانتخابية، وفي عملية التصويت والفرز.