الفساد (15)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
قال الأستاذ عبد الخالق فاروق: "وأنا شخصيًّا شاهد على قيام الحزب الوطني في دائرة مدينة نصر بالقاهرة بعمل آلاف البطاقات الانتخابية لكل موظفي المصالح الحكومية القاطنين في هذه الدائرة حتى لو كانوا مِن غير سكانها، وحدث مثلها في كل الدوائر الموجود فيها مصالح حكومية وشركات القطاع العام، أو أثناء التصويت، بما يؤكد مفهومًا واحدًا أمام الجميع، وهو أن النجاح ودخول هذه المؤسسة التشريعية مرهون برضاء الحكومة والنظام وقياداته، ومِن ثَمَّ ولاء العضو ينبغي أن يكون لرئيس النظام، ثم إلى أمين عام الحزب، ثم إلى أمين التنظيم، وليس هناك ولاء لآخر أو لقضايا عامة، بل لأشخاص، ومؤخرًا دخل على خط الولاء شخص نجل رئيس الجمهورية".
وبعد دخول العضو مِن الحزب أو المستقلين أو المعارضين البرلمان أو مجلس الشورى يبدأ (إغداق الخدمات على العضو، ورعاية طلباته الشخصية ووساطته وشمولها بعين الرعاية والقبول، وفي حال تمرد هذا العضو على الحكومة والرئيس -كما هو حال عدد محدود جدًّا مِن شرفاء هذه المجالس- تبدأ عمليات الإنكار والعزل وتجاهل طلباته، أي: خنقه سياسيًّا" (راجع: اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين 1974م - 2010م؟ ص: 33 - 35، بتصرفٍ) .
وفي إطار الكلام عن التغيير الذي انتاب البلاد بعد سياسة الانفتاح وما تلاها يقول: "وقد طال التغيير ضمن مَن طال -بل أول مَن طال- أعضاء كثيرين بمجلس الشعب، فهم بحكم موقعهم أول مَن يدركون رياح التغيير، وهم أول مَن يشاركون في صنعه وتقنينه، وهم فوق ذلك العارفون بالمسالك والثغرات، وهكذا لم تمضِ سنوات قليلة مِن الانفتاح الاقتصادي إلا وكان عدد كبير مِن أعضاء المجلس التشريعي ذوي الأصول العمالية أو من موظفي الدولة قد تحولوا إلى مليونيرات جدد في عالم المال والأعمال (تجارة أخشاب - عقارات وأراض - استيراد وتصدير - بنوك وقروض، إلخ)، فإذا تأملنا عدد النواب الذين فصلوا من المجلس أو رفعت عنهم الحصانة أو طلب رفع الحصانة عنهم أو تعرضوا لجزاءاتٍ مختلفةٍ؛ بسبب مسلكهم المالي أو الأخلاقي الذي لا يتناسب ولا يستقيم مع رسالة التمثيل النيابي، ودور النائب الرقيب كرقيبٍ ومشرعٍ، نستخلص نتائج غير إيجابية بشأن كفاءة وفاعلية هذه المؤسسة.
وتكشف قضية نواب القروض والتي أخذت حيزًا من الاهتمام العام والنخبة السياسية المصرية نظرًا لحجم الأموال التي تمكنوا مِن الاستيلاء عليها من البنوك الخاصة التي تجاوزت 1200 مليون جنيه خلال ثلاث سنوات فحسب (1994 - 1996)، والسهولة التي مارسوا بها عملية الاختراق الواسعة النطاق لبعض هذه البنوك، مقدار الخطر والتأثيرات الضارة على سمعة وسلامة البناء المالي للنظام المصرفي ككل، كما كشفت هذه القضية عن ضعف أجهزة الرقابة المصرفية مِن جانب البنك المركزي المصري، وعن خطورة التزاوج والتحالف بين رجال المال ورجال السياسة، وتفشي ظاهرة استغلال النفوذ، وهو ما تكرر بعد أقل من خمس، حينما تفجرت فضيحة أخرى أكثر تأثيرًا في نهاية عام 2001م بهروب عشرات من رجال الأعمال المقترضين من البنوك بمبالغ طائلة، فيما أطلقتْ عليه الحكومة وكبار المسئولين: (قضية المتعثرين)" (راجع: اقتصاديات الفساد، ص 93 - 94) .
نواب القروض:
ظهرت في الثمانينيات فضائح انحرافات بعض البنوك، وتناقلت الصحف وأجهزة الرقابة أخبار انحرافات بعض رجال المال والأعمال والمصرفيين، والتي كَتب عنها الأستاذ عبد الخالق فاروق يقول: "أُهدر بسببها عشرات الملايين من الجنيهات في صفقات مشبوهة، وعمليات منظمة تديرها ما يشبه عصابات (المافيا)؛ للاستيلاء على أموال البنوك عبر نظم الاقتراض والاعتمادات المستندية، وخطابات الضمان وغيرها، دون الحصول على ضمانات كافية وفقًا للأعراف المصرفية. وشارك في هذه العمليات بعض رجال المال والأعمال وزوجاتهم وأقاربهم بصورة بدت فيها المسألة، وكأننا على شفا انهيار مالي ومصرفي شامل، خاصة بعض تفجر قضية (نواب القروض) عام 1995م، التي أنبأت عن تشكيل عصابي متكامل الأركان يهدف إلى الاستيلاء على أموال البنوك، وبحماية أربعة من نواب المجلس التشريعي، بعضهم مناصب وزارية عدة، التي راح مِن جرائها أكثر مِن مليار جنيه في أربعة بنوك، ثم ما تفجر بعد ذلك عام 2002م مِن هروب بعض رجال المال والأعمال المقترضين من البنوك المصرية بأكثر من 40 مليار جنيه، وما صاحبه مِن شلل كامل في النظام المصرفي وتوقف غالبية المقترضين لديها عن السداد بحجة التعثر، على أمل أن تتنازل الدولة والبنوك عن بعض الفوائد، محولة لحل مشكلات بقية المتعثرين سواء لأسبابٍ حقيقية أو بالتعثر المفتعل" (انظر: اقتصاديات الفساد في مصر، ص 83) .
ويضيف: "نكأت قضية نواب القروض جرحًا غائرًا في الضمير والوجدان الجماعي المصري، واستدعت الذاكرة الشعبية وقائع قريبة وثيقة الصلة بأعضاء البرلمان في النظام السياسي المصري خلال السنوات العشر الأخيرة، منها: نواب الكيف ونواب الأسمنت، ونواب المعونة، ونواب الشركات"، "والحقيقة أنه برغم الثقة تاريخيًّا لدى قطاعات واسعة من المواطنين في مصر في مصداقية تمثيل أعضاء المجالس النيابية للطموحات والأماني الوطنية والمعيشية للطبقات والفئات الاجتماعية الأدنى في السلم الاجتماعي (مثل: العمال والفلاحين وقطاع كبير من الطبقة الوسطى)، فإن ما شهدته مصر خلال السنوات العشرين الأخيرة -يريد من عهد مبارك- مِن تجاوزات وانحرافات كثير مِن أعضاء مجلس الشعب، وهو ما لم يحدث منذ عرفت مصر الحياة النيابية الحديثة عام 1924م نقل اهتزاز الثقة إلى يقين بانعدام الثقة، وأدى في المحصلة النهائية لفقدان النظام السياسي المصري المصدقية والاعتبار"، "وبرغم الحسم الذي بدا واضحًا مِن جانب السلطة القضائية للانتهاء مِن هذه القضية التي استمر تداولها أكثر من خمس سنوات، والاهتمام الإعلامي الذي حظيت به، فإن الأهم من كل ذلك هو تحليل وكشف آليات الفساد المالي والسياسي التي تمارس بتوريط أكبر عدد من أعضاء السلطة التشريعية في ممارسات مشبوهة ماليًّا وأخلاقيًّا؛ ناهيك عن أنها مخالفة للدستور بصورة لا تقبل الشك" (المصدر السابق: 84 - 85 بتصرف) .